• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م
2017-11-21
تلك النقاط المضيئة
2017-11-14
هل نتقبل النقد؟
2017-11-07
صرخة «الغانم»
2017-10-31
حِمْل الحياة
2017-10-24
الأشياء التي تشبهنا
2017-10-17
في نقد النقد
2017-10-03
لماذا القصة ؟
مقالات أخرى للكاتب

الحس الجمالي

تاريخ النشر: الثلاثاء 07 فبراير 2017

لا يتفاعل كل الناس بذات الطريقة مع المكونات الجمالية في الحياة، ففي الوقت الذي قد يقف أحدهم مأخوذاً أمام لوحة فنية، يمر بها آخر دون انتباه، وبينما تتحرك منابع الدمع في عيني شخص يشاهد فيلماً مرهفاً، ينام الآخر في منتصف العرض. وقد يستمع شخص لقطعة موسيقية تخلق لروحه أجنحة ويبدو كطير حر يوشك أن يطير من شدة التأثر، في حين لا يسمع آخر فيها سوى ضجيج مزعج. وبينما يكاد يتحول شخص في أثناء قراءته لكتاب من إنسان عادي إلى أشعة نور تأثُّراً بروعة التعبير وبالكلمات التي استفزت أماكن التفكير في عقله ومكامن الأحاسيس في قلبه، يرميه آخر ككومة ورق مملة بلا فائدة. وكما يمكن أن يقف أحدهم متأملاً وردةً في الطريق، يدهسها آخر بقدمه ويمضي.

تقدير الجمال لا يأتي اعتباطاً، بل يحتاج إلى تربية للروح والفكر. انشغالك بتفاصيل حياتك الروتينية واستغراقك في الأيام الاستهلاكية بكل متطلباتها هي عملية ممنهجة لتفريغ عقلك من التفرد النقدي، ولروحك من أي قدرة على الإحساس بالجمال. تصير فرداً منهكاً لا تحركك سوى المغريات الحسية المباشرة والصفيقة، تلك التي تخاطب غرائزك الصريحة، التي يعنّ لك إطلاقها أحياناً تنفيساً للتعب. أما تلك التي تتطلب تمهلاً ورهافة ورقَّة إحساس فلن تلفت انتباهك وستجد نفسك تدوس على حدائق الورد دون أن تنتبه.

تقدير الجمال يحتاج إلى جهد لكي تتخلق بداخلك هذه الملَكة التي تميزك كإنسان حقيقي حر ذي رؤية ورسالة. عليك أن تربّي إحساسك كأنه ابنك الذي تحرص على أن يكبر ليكون شخصاً ناجحاً جميلاً وسعيداً، أن تعتني به بكل صبر وتمهل وطولة بال ومحبة. عليك أن تظل مسجلاً اسمك في قيد الجمال طوال الوقت، فأنت تقرأ، وتشاهد، وترهف السمع لالتقاط أنغام الكون تعزفها الكائنات والطبيعة ومعجزة الموهبة الإنسانية، وتخالط من تتوق أرواحهم إلى الانعتاق، وحيناً تقف وتتأمل لتسحب نفسك من مستلزمات الحياة اليومية ومتطلبات الروتين الوظيفي والدوائر الضيقة المكتظة وكل أشكال الحياة المادية التي تفرغ الإنسان من أحاسيسه المرهفة الخاصة وتحوله إلى آلة تلهث وتتكاثر وتأكل وتفرغ ما تأكله وتنام وتستيقظ في عملية مكررة تنزع من الإنسان تفرده وجمالية خصوصيته ومعنى حياته، ليصير مجرد رقم ضمن أرقام.

تقدير الجماليات ليس رفاهية وترفاً وفراغ شغل، بل هو تشبث بالإحساس بالحياة، وعلى المرء أن يظل قابضاً على إحساسه بالحياة قدر استطاعته. فأنت لا تموت حين يموت جسدك، أنت تموت حين تموت روحك، وما أثقله الجسد حين يعيش طويلاً من دون روح.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا