• الثلاثاء 27 محرم 1439هـ - 17 أكتوبر 2017م
  04:57     إسرائيل تقدم خططا لبناء أكثر من 1292 وحدة استيطانية بالضفة الغربية    
2017-10-17
في نقد النقد
2017-10-03
لماذا القصة ؟
2017-09-26
لعبة الكراسي
2017-09-19
سلاح الثقافة
2017-09-05
مناسبات
2017-08-29
«سوالف حريم»
2017-08-22
دائرة الإنسانية
مقالات أخرى للكاتب

قوارض إلكترونية

تاريخ النشر: الثلاثاء 24 يونيو 2014

ارفع رأسك، هناك عالم كبير واسع خارج شاشة هاتفك النقال الصغيرة الضيقة. ارفع رأسك إلى الحياة التي خلقها الله. في هذه الحياة هناك أناس حقيقيون، وهناك أشجار وورق وقطط ونمل وحشرات ليلية تغني لك حتى تنام، وكائنات وضحكات أطفال وحياة ضاجة حقيقية تنتظرك أن ترفع رأسك عن شاشة صغيرة استعبدتك دون أن تدري. عيناك خُلقتا لكي تريا الصورة الواسعة، ما يحصل الآن أننا نخنق العيون بتحديد زوايا الرؤية على مقاس شاشة هاتف نقال مهما كانت واسعة تظل ضيقة وضئيلة بالمقارنة مع العالم الأكبر. لا نرى من يحدثنا، لكننا نحدث آخرون داخل تلك الشاشة، لا نسمع، تجدنا جميعاً منحنين إلى الأسفل، معتكفين في كهف التكنولوجيا المضيء بنور اصطناعي مشع يترك لأبصارنا خيارات بصر محدودة عند الكبر. من قال إن الحياة تكمن خلف شاشة؟

أصبحت منابر خطابتنا، صرنا جميعنا خطباء، ومنظّرين، ومفكرين، وحكماء، كلنا نفهم في كل شيء، في السياسة والدين والحب والمرض والفلسفة، حتى ما عاد يسمع أحد أحداً، ولا عاد أحد يرى أحداً، ولا عاد في الكون غير الذات الشهيرة المتَابَعة بالجماهير الغفيرة، نحسب قيمة أقوالنا المأثورة بعدد (اللايكات) وقيمتنا بعدد من يتبعنا ويعيد تغريداتنا أو يفضلها، صارت قيمتنا بكم نحن معروفون ومحبوبون، ولدينا من يفدي عيوننا ويحلف بأرواحنا ويبجّل مقدارنا على شاشة، ولو التقينا لربما ما ألقى أحدنا على آخر السلام، فسنكون مشغولين بتبجيل آخر جديد خلف شاشة.

وسائل تواصل اجتماعي إلكترونية كسّرت أركان التواصل الاجتماعي الواقعي، ما عاد الصديق يتحدث مع صديقه، ولا الأخ مع أخيه، وحين يجلس الزوج مع زوجه يسود صمت تاركاً الفرصة لضجيج الحياة في الهاتف النقال.

كنت أراقبهما، زوجان في مطعم، يمسك كلاهما بهاتفه، ساعة كاملة، لم ينطق أحدهما للآخر بكلمة إلا ليملي طلبه على النادل. نأكل، ونصور ما نأكل، تمتلئ حساباتنا في (الانستغرام) بصور أطباق طعامنا، وكأن لا أحد يأكل غيرنا، نقول إننا نحتفي بتفاصيل الحياة، وفي خضم هذه التفاصيل ننسى ما هي الحياة. نجلس مع أصدقاء وننشغل بتصوير الجلسة، في لقاء أدبي أتذكر الكاتب التونسي الحبيب السالمي حين طلب منه أحدهم أن يصور مشهداً أعجبه، استنفر السالمي واستُفز قائلاً: «لماذا أصور وأعطل ذاكرتي عن تصوير المشهد، لماذا أخنق الجمال في الصورة؟».

حياتنا صارت صورة، حين نمشي، وحين نجلس، نصوّر أقدامنا، أيدينا وهي تقبض على كؤوس الحياة وأكواب القهوة، نصور أجزاء من وجودنا المتقطع، مقاطع من ضحكاتنا مع أطفال، نقرأ لكي نصور أننا نقرأ، نحاول أن نقبض على هذا الوجود، وإذا بنا في خضم المحاولة نفقد وجودنا، وبدل أن نعانق الزهرة نصور ذلك العناق لنقول إننا نحب الزهور، نصور كل شيء لنقول إننا نعيش. وفي محاولة إقناع الآخرين بغزارة حياتنا ننسى أن نعيش. محاولات الإقناع المستميتة تحظى غالباً بالفشل. من يعرف يعش وفق معرفته، ومن يشعر ببتلات الورد وهي تنزلق على جسده يقدس كينونته. صرنا موجودين بغزارة ولكن على حساب إلكتروني فقط. وفي السفر تمتلئ ذاكرة هواتفنا النقالة بصور كثيرة لأماكن ما عدنا نذكر كيف كان إحساسنا ونحن نسير فيها. نصور اللقطة للجمهور، وننسى أن نحتفظ «بإحساس» المشهد لأنفسنا لنصل آخر العمر من دون «عبق» ذكريات.

فمتى نستعيد وجودنا الحقيقي المتحلق على دفء نار في ليلة باردة، وتحت ظل شجرة في نهار قائظ، وعلى فنجان قهوة مع صديق، متى نستعيد قيمة إحساسنا الحقيقي بوجودنا، متى نستعيد وجودنا؟ سيبتكرون دوماً وسائل تواصل إلكتروني جديدة كثيرة، سيقولون احتفاء بالحياة. سنلاحقها جمعيها ونحن نلهث، حتى ندرك أنها مجرد قوارض إلكترونية تقرض الحياة وهي تحتفي بها.

[email protected]

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا