• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م
2016-08-16
جسر العطاء
2016-08-09
تفرغ الكُتّاب
2016-08-02
هوية المدن
2016-07-19
زمن القحط الإنساني
2016-07-12
كتابة سعيدة؟
2016-05-24
فقه البدايات
2016-05-17
حرية الفكر
مقالات أخرى للكاتب

استحضار الكتابة

تاريخ النشر: الثلاثاء 10 يونيو 2014

تبدو عملية استحضار الكتابة أحياناً أصعب من استحضار الأرواح. أبحث عن ركن جلوس مثالي، إضاءته مناسبة، ليست مشعّة تماماً وليست معتمة، قد أولع الشموع، أهيئ الجلسة، أختار المكان الذي أعتقد أن الإلهام سينزل إليه بالذات، فالإلهام أحياناً متطلب متمنع، وأتساءل كيف يكتب البعض دون إلهام، بل إنهم حتى يسخرون منه، «إلهام؟ من هي إلهام؟» يقولون باستنكار حتى أوشك أن أظنه اسم راقصة شرقية وليس وحي كتابة. فأخجل من نفسي وأقول مسايرة «نعم فعلاً، الكاتب الحقيقي لا ينتظر الإلهام، إنه فقط يكتب». ولكن الكلام سهل. أُعدّ كوب القهوة، بالمرارة المطلوبة، أجلس، أفتح صفحة، أبحلق في السقف، أفكر أفكاراً كثيرة، لكن التركيز يخونني. التركيز ليس مجرد كلمة من خمسة أحرف. في «التركيز» يكمن السر كله. أتذكر كيف كان أساتذتنا الأجانب في الجامعة يكررون هذه المفردة المفضلة لديهم Focus وسمعت الغربيين يرددونها كثيراً بقدسية خاصة حتى ظننت أنها اسم ربهم الأعلى. بالنسبة لهم الشخص المركز هو شخص سليم طبيعي، شخص صحيح لا شيء خاطئ بشأنه. شخص يعيش. وذلك المشتت هو شخص منتحر معنوياً. لأنه يترك حياته تضيع منه دون تركيز. التركيز صفة إيجابية في الشخص، تجد الواحد منهم منتبهاً لذاته، لعمله، مركّزاً في كل حركة يقوم بها، فهو سائر في الطريق لهدف يمشي وعينه على الهدف، لا يكثر من التلّفت والبحلقة فيما لا يعنيه. وحين يعمل هو يعمل، وحين يلعب هو يلعب، وحين ينام فهو يعرف أنه يفعل ذلك لكي يستيقظ في يوم تالٍ. فينام بتركيز مع سبق الإصرار والترصد، ليستيقظ مثل ذئب حان وقت رحلة صيده. الأيام صيد سمين، أفلح من اصطادها وخاب من تركها تنسلّ من بين أصابعه مثل ماء أو هواء فتذهب دون عودة ودون أن يكون قد «كان» فيها.

الشخص المفتقر للتركيز ينام فقط لكي ينسى، ولا يعرف ينسى ماذا بالضبط، ربما لكي ينسى أنه على قيد الحياة، وحتى هذا يفشل في التركيز فيه، فيحيا بين بين. أجلس لأكتب فأجد بصري يشرد إلى السقف، ثم إلى النافذة، والحركة في الخارج، وفتيات يضحكن، وأخريات يسرن في الحياة بشكل طبيعي وأتمنى لو لم يبتلني الله بفيروس الكتابة. ماذا لو كنت منذ البداية أساساً مجرد فتاة عادية جميلة، أهتم بنفسي والاعتناء بجمالي وأيامي أقضيها في الكسل اللذيذ والتسوق والترفيه وحتى مزاولة شؤون العمل والوظيفة والبيت والأُسرة، ربما كان لدي الآن زوج يساعدني في حمل الحقائب عند السفر. فالزوج لا يريد فتاه تفكر وتبحلق في عينيه بحثاً عن أجوبة لأسئلتها الوجودية، لا يريد فتاة تتساءل دوماً لماذا عليها أن تنهض وماذا يعني أن تعبر الشارع باتجاه وجهة ليست ضرورية بالضرورة وتحيا ليوم آخر.

أتذكر فرجينيا وولف، الكاتبة الإنجليزية الشهيرة التي قررت أن تملأ جيوبها بحجارة ثقيلة وتتجه نحو البحر. من يمكن أن يفهم قلق ثقل الإحساس بالوجود؟ كيف يمكن أن يحتمل المرء كل تلك الأسئلة ولا يعبّر عنها ليبقى شخصاً محبوباً أليفاً يمكن البقاء حوله فترة طويلة؟ .

إذا وجدت شخصاً يحتمل أسئلتك الوجودية لا تعطه ظهرك وتمضي دون انتباه. لا يمكن أن يحمل المرء ذاته وحده طوال الوقت، نحتاج لشخص آخر قريب الشبه منا ليحمل معنا قليلاً من ذاتنا ونحمل معه شيئاً من ذاته. من قال إنّ الذات حمولة هيّنه؟. أحسد أولئك الأشخاص السبّاحين بمهارة على سطح البحر دون أن يغرقوا فيه. يلعبون مع الدلافين، ولا يعنيهم أن في عمق البحر قرشاً وطحالب ملونة. لو امتلكنا اختيار الوعي، لاخترت وعي سمكة تدرك كل شيء، لتنساه بعد دقائق دون ندم.

Mariam_alsaedi@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا