• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م
2016-08-16
جسر العطاء
2016-08-09
تفرغ الكُتّاب
2016-08-02
هوية المدن
2016-07-19
زمن القحط الإنساني
2016-07-12
كتابة سعيدة؟
2016-05-24
فقه البدايات
2016-05-17
حرية الفكر
مقالات أخرى للكاتب

في الكتابة

تاريخ النشر: الثلاثاء 12 مايو 2015

هل تكتب وفقاً لخطة مسبقة أم تترك الأحداث والشخصيات تخلق نفسها؟. يختلف الكتّاب في الطريقة التي يبتدؤون فيها الكتابة. البعض يجد أنه لا يمكن أن يكتب إلا إذا كان هيكل الكتاب كاملاً في رأسه أولاً. يضع مخططاً شاملاً للشخصيات، أوقات ظهورها واختفائها ودورها محورياً كان أم هامشياً، يحدد مسبقاً الحدث الرئيسي، ويعلم مسبقاً مصائر شخصياته. يشتغل على هذه الطبخة في مطبخ فكره لشهور وربما سنين، وحين يجلس يكون فقط كمن يسكب المرق في الطبق.

هؤلاء يكون عملهم نظامياً أكثر، يستطيعون تحديد ساعات العمل المطلوبة يومياً، يسيرون وفق خطة محكمة لا يحيدون عنها، يستقون أفكارهم من الواقع يطعّمونه بالخيال للضرورات الفنية، ويجعلون من أشخاص الحياة القماشة الأساسية لنسج قصصهم الخيالية عليها، وفي النهاية قد يشعر من يعرفهم أن في العمل المكتوب إشارة له ولو بتلميح، ولكن يحق للكاتب في النهاية القول «وما الحبكة الروائية إلا انعكاس لواقع محبوك مسبقاً بحكم القدر».

وأما الصنف الآخر فإنه يكتب لكي يتنفس. لا يتخذ من الكتابة مهنة ولا يراها كمشروع حياة وإنما كوسيلة لاحتمال ثقل وجوده، هي وسيلة علاج يلجأ إليها ليتخفف من الأحجار على صدره، فصدره مثل الكُلى المثقوبة تتكون فيها الحصوات باستمرار فتسد مجرى التنفس، والكتابة منظار يفتت به حصوات قلبه. هو حين يجلس للكتابة لا يعرف عن ماذا سيكتب، يترك فقط نفسه وحين يترك نفسه تتدفق آبار ماء، وتخرج أجنحة من روحه وعوالم تتشكل بذاتها وشخصيات تخلق نفسها كجنيّ انعتق من سجن أزلي فانطلق، وكأن صدره ما كان طوال الوقت سوى مصباح سحري احتاج ليدعكه بالقلم ليتحرر منه مارد الكتابة. قد لا يعجبك كل ما يكتبه، ستحس فيه صراعا، وكأنك دخلت كهفا مظلما تناوشك داخله أصوات خفية مجهولة وتظل تبحث عن مخرج تهرب منه إلى النور، إلى حيث الأشجار واقفة على جذوعها والرؤوس فوق أكتافها والأرض تحت السماء ومنطقتك المألوفة لا تزال مرتبة وفنجان قهوتك ساخناً على المنضدة، سترغب بشدة أن تخرج من ذلك الكهف المسكون لكي تعود لعالمك الأليف وحين تتمكن في النهاية من الخروج مع السطر الأخير ستلتفت خلفك وسترى أن ما ظننته كهفاً مظلماً لم يكن سوى جنة النور الساطعة، وأن الظلام كان في قلبك وأنك قد استنرت، وأنك، بفعل تشابه روح الكاتب معك، قد اتسعت... فاختلفت.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا