• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م
2016-08-16
جسر العطاء
2016-08-09
تفرغ الكُتّاب
2016-08-02
هوية المدن
2016-07-19
زمن القحط الإنساني
2016-07-12
كتابة سعيدة؟
2016-05-24
فقه البدايات
2016-05-17
حرية الفكر
مقالات أخرى للكاتب

وحين نقرأ

تاريخ النشر: الثلاثاء 26 يناير 2016

وحين تقرأ، لا تقرأ لكي تكون مثقفاً، ولكن لكي تكون أكثر إنسانية. هناك أشخاص يقرؤون مثل آلات، يقرؤون باستمرار، لكن الكتب لا تغير فيهم شيئاً. تجلس مع الواحد منهم فتجدهم باباً مفتوحاً على صحراء فارغة جرداء، لا يملك ما يرويك به، لا يملك ما يقف عليه، شخص يقرأ لكن دون أن تهذب القراءة فيه شيئاً، دون أن يظهر أثرها في سلوكه وتفكيره وأدائه، هكذا قارئ لم يجن من قراءته سوى إرهاق البصر. شخص ضيق الأفق ضعيف الاحتمال غير قادر على إدارة حوار حتى مع ذاته، شخص مفعم بذاته، منتفخ بها، ظاناً أنه - بسبب الكتب الكثيرة التي وقعت بين يديه- صار العالم العليم الذي لا يُعلى على علمه شيء.

إذا لم تغنك القراءة لم ترفعك للأعلى، لم تفتح أمامك أفقا أوسع فتصير ترى الأشياء بشكل مختلف، شكل هلامي الأضلاع بحيث تجيد تقليب الصورة وتشكيلها على كل الأوجه فلا تنطلق في الأحكام المسبقة المُدينة للآخر قبل أن تثبت عليه أي تهمة. إن لم تزدك القراءة تواضعاً وحباً للمعرفة وإحساساً بالنقص واندماجاً في العالم الإنساني، إن لم تجعل منك كائناً أكثر جمالاً وانفتاحاً فلا تقرأ، لأنك قد تضيف لرصيد القراءة، لكنك لن تضيف لرصيد القرّاء. القارئ ليس شخصاً «مثقفاً»، القارئ «إنسان». إن كنت تقرأ لكي تصير «مثقفاً» فلا تقرأ، ولكن اقرأ لكي تعرف أنك جاهل مهما عرفت، وصغير مهما كبرت وناقص مهما اكتملت. عليك أن تقرأ لكي تفهم، لكي تحتمل الأسئلة، كل الأسئلة، ولكي تظل موقناً باستحالة الإجابات القاطعة. حينها فقط يمكن أن يكتسب العالم إنساناً جديداً يضيف إلى رصيد التسامح الحي، التسامح الذي يحتاج إليه العالم في هذا الزمن أكثر من أي شيء آخر، وما القراءة إلا وسيلة لاتساع الرؤية، وتعميق الإحساس، وبُعد الفكر. لا معنى لفكرة يمتلئ بها العقل دون أن تكون قد مرت بالقلب لامسته فرققته وجعلته أرضاً خصبة لاستقبال النظرة الإنسانية من أي عين كانت. المثقف المتغطرس الذي يتعالى على إنسان بسيط لأنه قرأ كتباً كثيرة، لأنه يرى نفسه من طبقة أرقى، المثقف الذي يقرأ لكي يرتقي اجتماعياً، ليس مثقفاً حقيقياً، هو فقط بيروقراطي آخر تسلق على واسطة الكتب عوضاً عن واسطة المتنفذين، وكلها محسوبيات.

المثقف الأصيل يعرف قبل أي شيء أن قيمته الحقيقية فقط في تقديره لرهافة الضعف الكامن في إنسانيتك.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا