• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م
2016-08-16
جسر العطاء
2016-08-09
تفرغ الكُتّاب
2016-08-02
هوية المدن
2016-07-19
زمن القحط الإنساني
2016-07-12
كتابة سعيدة؟
2016-05-24
فقه البدايات
2016-05-17
حرية الفكر
مقالات أخرى للكاتب

الكتاب.. الوطن

تاريخ النشر: الثلاثاء 22 مارس 2016

كثير من الناس ممن لم ينشئ علاقة مع الكتاب، لا يستطيع أن يستوعب سر القراءة. لا تتوقع أنك في الثلاثين حين تقرر أن تكون قارئاً ستقرأ وستُفتح لك أسرار الكهف المسحور لعالم الكلمة. القراءة، مثل الرياضة، الصداقة، الحب، مثل العائلة، ومثل الوطن تحتاج أن تبني إليها جسراً وتصنع معها علاقة. من لم يتريض طوال عمره وفي الأربعين يقرر أن يكون رشيقاً، بعد ربع ساعة من الهرولة يسقط مغشياً عليه. من يقرر فجأة أن يحب سيصدمه الباب ويصفق في وجهه، من يشير بيده إلى شخص ويقول أريده أن يكون صديقي فيذهب إليه طالباً ذلك سيقابل بالاستخفاف، ومن عاش عمره ناشزاً، ثم اختار بقعة أرض وقال هذه وطن يقتله البرد، هذه أشياء لا تُطلب هكذا ولا تحصل هكذا، كل الأشياء في هذا العالم، تحتاج أن تمتلك الاهتمام الكافي بها والاحترام الكافي لها لكي تبني معها «علاقة» قائمة على كمية كبيرة من العطاء والصبر والاهتمام والانتباه من طرفك، فتتحقق النتيجة التي تطمح إليها.

الأصدقاء والناس الذي يحبونك لم يحبوك فقط هكذا، هي نتيجة بناء علاقة وضعوا فيها كميات هائلة من الرغبة في التعرف عليك، من الانتباه لتفاصيلك، لإحساسهم حين يكونون بقربك، والتأثير الذي يتركه فيهم وجودك، هي كمية من الانتباه والاهتمام تكون نتيجتها علاقة إنسانية ما تزيد حياتك سمواً وأوقاتك لطفاً وتضفي على أيامك معنىً خاصاً يبهجك، وهكذا الكتاب يا أخي لو تدرك. حين تمنحه بادئ ذي بدء صبرك.. يحركك تجاهه فضولك.. ويقينك أن ما يحتويه بين دفتيه حتماً في يوم ما سيغيرك. سيرفعك، سيجعلك ترى الأشياء من فوق، وكل الأشياء من فوق تبدو أكثر وضوحاً وأقل ضرراً، ستصير أكثر استيعاباً لما لا تفهم، وأقل جزعاً على ما تفقد. الكتاب يا صديقي، لو تمنحه وقتك، وتصبر عليه، تداريه وتراعيه وتلاطفه لو تجلس قليلاً معه، ستجد عالمك يخلقه بصرك أنت، وأنك ترى ما تريد لتهنأ بعيداً عن القبح، وأن أمامك يتشكل عالم جديد لم يكن يخطر ببالك، وستجد نفسك وقد أصبحت ترى وتسمع وتفهم وتسير في الأرض مفعماً بالتقدير لنعمة الوجود، رغم كل الخرائب، متوجهاً بالحب كله إلى الله، خالق هذا الكون الهائل، وبعد حين، حين تتوطد العلاقة ويعمُّ التفاهم ويسود الحب بينك وبين كتابك، ستجد نفسك إذا ابتعدت عنه يسكنك الفراغ والوحشة كمن هجر وطنه، فتعود إليه سريعاً عودة الحبيب إلى حبيبه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا