• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م
2016-08-16
جسر العطاء
2016-08-09
تفرغ الكُتّاب
2016-08-02
هوية المدن
2016-07-19
زمن القحط الإنساني
2016-07-12
كتابة سعيدة؟
2016-05-24
فقه البدايات
2016-05-17
حرية الفكر
مقالات أخرى للكاتب

خذلان مي

تاريخ النشر: الثلاثاء 27 أكتوبر 2015

لم تعش طويلاً، لكنها عاشت كثيراً. عاشت بكثافة مشاعرها وتوهج أفكارها وتأثيرها في كل من عاصرها. مي زيادة؛ امرأة لم تأتِ للحياة وتذهب منها كأي امرأة. جاءت بعنفوان وإقبال وتصديق وزخم مشاعر لم يفهمها الكثيرون رغم التفاف الكثيرين حولها من رموز الفكر والأدب في عصرها: أحمد شوقي، العقاد، طه حسين، مصطفى صادق الرافعي، وغيرهم كثير. كانت امرأة استثناء، وهكذا حين أعلن أحدهم بيع مقتنيات شقتها في القاهرة مؤخراً في مزاد علني أثار هذا الخبر زوبعة من الاستنكار في أوساط المثقفين وممن يهمهم الحفاظ على الإرث الحضاري العربي. شعروا بأنهم حين يبيعون مي فهم يخذلونها مرة أخرى. مي زيادة إرث إنساني وحياتها بكل تفاصيلها تستحق الاعتناء والرعاية والالتفات فما كان أدبها منفصلاً عن حياتها وما كان فكرها ينبع إلا من تفاصيل حياتها وأحلامها وأفكارها وشاعرية أمنياتها. رسائلها بلغتها الجذلة أدب بحد ذاته وتأريخ لحقبة مهمة اجتمع فيها أهم من أسهم في بناء المشهد الثقافي العربي . وبغض النظر عن مدى دقة خبر البيع والمزاد أو عدمه، ربما حان الوقت أن يكون هناك متحف لمي، يحتوي على كل مقتنياتها، بدءاً من المهد الذي ولدت فيه إلى أصغر قصاصة من رسائلها.

من المهم لكل بلد أن ترمم بيوت الأشخاص الذين كرّسوا حياتهم لتطوير حياة الآخرين، الذين تركوا أثرهم على الناس وعلى فكر المجتمع، وهؤلاء أشخاص لا يولدون كل يوم. جاءت مي وراحت حزينة لأنهم خذلوها، الكثير ممن ظنتهم أصدقاء، حين تم اتهامها بالجنون إثر كآبة حادة ألمّت بها بعد موت الأب والأم والحبيب البعيد جبران خليل جبران. فتقلص الأمل والإصغاء والتصديق، ولكن بقي لديها الفكر متوقداً وإيمان راسخ بأن هذه الحياة معبر لا يعني أي شيء إن لم تترك عليه أثر. فكانت مي «عروس الأدب العربي، ولاّدة القرن العشرين، نابغة عصر النهضة، ملكة دولة الإلهام، ريحانة الشرق»، كما أُطلق عليها من ألقاب.

«أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ما فيها من روح الإخلاص والصدق والحميّة والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل؛ لأنه كذلك، لا عن رغبة في الانتفاع به». كما كتبت مي لجبران في إحدى رسائلها.

ربما حان لمصر أن تنتبه لتاريخ رموزها الذين انطلق شعاعهم التنويري لأرجاء الوطن العربي، فتجعل من بيوتهم أهراماً جديدة تفاخر بها العالم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا