• السبت 27 ذي القعدة 1438هـ - 19 أغسطس 2017م
2017-08-16
رحلة المسرح
2017-08-09
عام زايد
2017-08-02
أسواق الطرق الشعبية
2017-07-26
بينونة.. حديث العارف
2017-07-19
حر ورطب ومطر
2017-07-12
خيل الليالي
2017-07-05
عاصمة الكتاب
مقالات أخرى للكاتب

عندما يغني الأعمى

تاريخ النشر: الأربعاء 11 فبراير 2015

على مدى زمن طويل والمدينة لا يفارقها غناء الأعمى، قد يبهرك جمالها وتفرد أسواقها وناسها، وقد يضفي إلى الابتسامة الدائمة لمملكة سيام الجميلة والرائعة في إنسانيتها، مساؤها المتلألئ، وغناء ذلك الأعمى الذي يجوب الشوارع رافعاً رأسه إلى السماء وكأنه يعد النجوم والكواكب ويغازل السحب.. يغني من دون اكتراث لشيء، قاطعاً طريقه متحسساً مساره من خلال عصا طويلة، له صوت رخيم وحنجرة ذهبية، لو وجد من يضعه على مسارح الغناء والطرب لتجاوز الكثير من الأصوات الزاعقة.

كثير من الجالسين على مقاعد مقاهي الأرصفة، يدركون أهمية الغناء، سواء كان ذا خصوصية أو عن شأن عام خاصة في زمن الاغتراب.. لا يعرف وجع القصيدة أو الأغنية إلا من جرّب آلام الابتعاد عن الوطن والحبيب والدار.

ليست مهمة لغة الغناء وإنما مقدرة المؤدي أن يخرج صدق الانفعال ونقل المستمع إلى مسافات بعيدة. شاهدت ذلك المغني الذي لا يفارق الأرصفة قبل خمسة عشر عاماً أو يزيد، وفي كل زيارة لمملكة تايلاند يأتي في المساءات الجميلة عابراً الطريق والأرصفة وقابضاً بقوة على الميكروفون ومنطلقاً بالغناء الجميل. لقد كبر قليلاً ولكنه مازال يغني بقوة وبشجن، وحصالته مفتوحة للناس. ففي المقاهي والطرقات يوجد كثر من أصحاب الخير والمقدرين لروح الإبداع.

يبدو هذا المغني مع جهازه وكأنه مايسترو يعرف كيف يبدأ ومتى ينتهي، فيجبر كل المستمعين أن ينصتوا لصوته الغريد.

للمدن دائماً خصوصيات لا توجد إلا في الأماكن المتألقة والمندمجة مع بعضها، شوارع خاصة وأرصفة خاصة ومبان ذات طابع لا يتناسب إلا مع هذه المدينة. تايلاند لا تشبه الهند ولا القاهرة ولا المغرب، ولا حتى سنغافورة القريبة، التي تكفيك فيها ثلاثة أيام لكي ترحل إلى الشرق، إلى مدن مملكة تايلاند الكثيرة، مثل فوكيت أو شنغماي أو جزيرة سوموي.

مر المغني الأعمى، وبعث الفرح والحبور في الأرصفة، ذهب صوته خلفه حتى غاب في الطرقات، ازدانت المدينة بالمساء البديع وسهرت الأضواء والشموع في كل زاوية وزنقة. لن تتذكر غداً غير صوت وغناء الأعمى. تتمنى أن تعود مرة أخرى وأن تجده لايزال يطرب الطرقات والدروب، بحنجرته المرصعة بذهب الحبال الصوتية الماسية والذهبية.. تحية للكادحين على رزقهم بشرف.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا