• الثلاثاء 06 رمضان 1439هـ - 22 مايو 2018م
2018-05-16
صير بو نعير.. جزيرة الأشرعة
2018-05-09
الجدل والجمال
2018-05-02
حق الليلة
2018-04-25
عن اتحاد الكتّاب
2018-04-18
سارق الوقت
2018-04-11
مسافة طريق
2018-04-04
عندما يبكي الشاعر
مقالات أخرى للكاتب

مقهى صغير للبحارة

تاريخ النشر: الأربعاء 06 فبراير 2013

كيف تهرب من ضجيج المدينة وأنت المحاصر فيها، وشوارعها ومقاهيها التي تكتظ الآن بأصناف البشر، حتى مقاهي مراكزها أصبحت ساحات للتجمعات الكبيرة، وكأن هؤلاء الناس لا مكان لهم يرتادونه غير هذه الأماكن والمراكز والساحات، حتى أنك تتخيل أن الحدائق والأماكن السياحية الأخرى لا أحد يذهب إليها، ولكنها في حقيقة الأمر أيضاً تزدحم بالناس.. هذه المدينة دبي التي لا تعرف الهدوء والسكينة، لا تتوقف فيها الحركة أبداً، إنها مقصد الكل، يتحركون في كل مكان، ليلهم كنهارهم، لم يبق مكان يمكن أن تعيد فيه ذاكرة المدينة القديمة غير المناطق الداخلية في قلب ديرة، مثل السبخة وسوق مرشد وسوق الحلول والزعتر خلف بندر طالب وممرات ديرة والرأس الضيقة، إنها ذاكرة الماضي الجميل، هناك ربما تستطيع أن تعيد لدبي صورتها القديمة الماضية، نحمد الله أن زحف المباني الحديثة لم يزل تلك المناطق القديمة، إنها ذاكرة من عمروا بناء ورحلوا، وتحول البناء الآن إلى مكان لحفظ ذاكرة الماضي، من عمارة قديمة وممرات ضيقة وسكيك شهدت انطلاق التجارة والحلم بأن تصبح ديرة ودبي مرسى للقادم الجديد.

إنها ميناء سفن التجارة القديمة ومركز التواصل مع المدن والبلدان البعيدة، يكفي أن ترسو السفن هنا لتشعر بأهمية دبي وجمال خورها وبحرها الآمن والمسالم والباعث بحرية الانطلاق أين ما اتجهت، إنها مدينة الحب والسلام والجمال، والجديد دائماً منذ أن عبرها الخور وفتح ثغرها الباسم أبداً، منطقة بر دبي بتواصلها مع الامتداد الصحراوي البعيد، وساحلها الرائع الجميل، وديرة بإطلالتها العميقة على ساحل الخليج العربي ودفء جنوبها المائي.

تنمو وتكبر هذه المدينة، تزداد ضجيجاً وازدحاماً، ولكنها تخبئ في صدرها دفء الماضي البعيد وتحافظ عليه كما عهده السابقون.

أنت من دبي، إذاً تعرف مسارات المدينة وأسرارها و”دواعيسها” و”سكيكها” القديمة الجميلة، عندما تضجر من زحام المدينة والمراكز والمقاهي الحديثة التي تعج بالحركة والزوار الذين يأتون من كل حدب وصوب، فإنك على الأقل تظل لديك مساحة مخبئة لخصوصية المدينة وقديمها الجميل.

الآن عنت عليّ ذاكرة قديمة لمدينتي الجميلة وقديمها الرائع، وعلى الخصوص المقاهي التي تقدم ما يتطلبه العابرون من البسطاء من الناس والبحارة الذين قطعوا مسافة بعيدة من سائر موانئ مدن الخليج العربي، وانتهاء بالقادمين من بر الصومال وعدن والهند وإيران وباكستان.

البحارة هؤلاء لا يرتادون الـ “ستار بوكس” أو “كوست كافيه” أو “كلوبس كافيه” أو”هافانا كافيه”، لا مكان لديهم أجمل من مقهى في سكة ضيقة يقدم الشاي بالطريقة الإيرانية أو العراقية.. خطوتان من بندر طالب ورصيف ميناء السفن وتصل إلى المقهى الصغير، مساحة صغير والكراسي الصغيرة الدائرية تجعله واسعاً ويكفي مع كرسيين مستطيلين أن يجلس عليهما أربعة أو ثلاثة أشخاص، يأتي كوب الشاي مع صحنه الزجاجي وكأنه خضاب حناء جميل، قد أعد على الجمر الذي ينير أيضاً رأس (القدو) باعثاً رائحة الغليون الممتزج برائحة الشاي البديع الذي لا يعرفه هؤلاء الناس الرائحين والقادمين في المراكز وكيف يعد العراقي والإيراني الشاي الأحمر، إنها تجربة خاصة لهؤلاء في تقديم فن الشاي الأحمر المعد على جمر المواقد.

هذا المقهى مر زمن بعيد لم أزره، كانت آخر مرة مع الأخ محمد المر، حيث كان عندما يقرأ عليّ مشروع قصصه القديمة يقترح أن نلتقي هنا، خاصة أن بعض شخوص قصصه تأتي من سكيك ديرة ومناطقها الداخلية والشندغة وحكايات ناسها القدامى. كان المقهى رائعاً بقدمه وصغر حجمه والعاملين وبحارته الطيبين الزائرين لدبي الجميلة من الخليج العربي وسواحل أفريقيا.

Ibrahim_Mubarak@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا