• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م
2018-06-22
كرة المصير
2018-06-15
صفحة العيد
2018-05-11
جناح أغنيةٍ آتية
2018-05-04
في مدح لا
2018-04-27
مديحُ كتاب
2018-04-20
أبوظبي للكتاب
2018-04-13
ثوب الليل
مقالات أخرى للكاتب

عين الشاعر

تاريخ النشر: الجمعة 25 يناير 2013

تومض نجمة الحظ عند اشتداد الحلكة، وقد تشتعل السماء نجوماً حين تبتسم الدنيا لشخص، فيرى الكون مشعاً أبيض من شدة انتشاء قلبه وامتلاء جوانحه بالحب. هكذا يقفز الشاعر فرحاً حين يرى نجمة الشعر تومئ إليه من بعيد فيتبع نورها المنعكس في قلبه، وقد يغويه الكلام فيرحل وراء المعاني، متتبعاً سحر تداخلها ودورانها وكأنها مرايا الكون، كأن الكلمات تحمل صورة الدنيا على ورقة صغيرة، وقد تتسع هذه الورقة لتحمل على سطحها كل أشياء الكون مجموعة في جملة مختزلة. وفي تلك اللحظة الساحرة، حين يبدأ الشاعر بخط الكلمات الأولى، تولد حياة جديدة للمعاني، وتتزحزح الكلمات من قوالبها اليابسة، لتفتح درباً مغايراً في طريق فهمنا للحياة. وحين يصير للحظ نجمة، ويصير للنجمة فم يبتسم في سماء الدنيا، فإن الشاعر لا يكتفي بالفرجة والسكوت، بل يذهب لنثر الذهب في الزوايا والأفكار المهملة فتصير مضيئة ويراها الآخرون كأنها ولدت للتو. ولو قدّر للبشر جميعاً أن يروا الكون بعين الشاعر، فإن العالم سيكون أجمل وأرحم ألف مرة مما هو عليه الآن. أولاً ستختفي الراء من كلمة «الحرب»، ويصبح القمر جرساً ليلياً لنداء العشق، وسوف ترقُّ القلوب التي حجّرها الخوف وأعمت عيونها الغفلة. ومن جهة البحر، ستأتي سفن الحنين لترسو في مستقرها الأخير. وبالشعر وحده يذوب العناد، وتزهر أسيجة الشوك، ويتعطل قطار الندم ولا يصل أبداً.

يدخل البشر إلى الحياة من باب الدهشة، يغويهم لغز الوجود على الحفر في رمل الغموض، ويدفعهم الغموض إلى النبش في فراغ الآفاق بحثاً عن المرايا التي تعكس وجوههم الحقيقية. ولكن هيهات، من لا يرى الدنيا بعين شاعر، لن يقرأ في كل المرايا سوى الأقنعة التي تراكمها الحيرة، ولن يتعرف إلا إلى الملامح الخارجية لما يظن أنه هو، والبشر إنما يبحثون عن المرايا التي تعكس دواخلهم، عن صورة الذات التي تمورُ وتثور وتتوه في داخل الجسد، وتشط بأفكارها في متاهة العقل، وتصبح صوتا داخليا نسمعه طوال اليوم، ولكن لا نعرف مصدره من أين. هذا الصوت سيظل بلا شكل؛ لأن الذات في عمقها هي جوهر محض وخالص، جوهر بلا شكل، ولكي نراها، ينبغي لنا إزاحة جميع القشور من صفحة العقل ليصير مرآة صافية يمكن أن ينعكس داخلها الكون كله. مرآة تشبه ورقة الشاعر البيضاء حين يرسم داخلها وجوداً جديداً يتجاوز شكل الوجود الذي نراه، هكذا نصل إلى جوهر المعنى، ونقول إننا نعيش لنتذوق لذة الوجود عن طريق فهم معناه، ولا يفهم معنى الوجود سوى الشاعر، هذا الذي يعزف نغمة الصمت ويجعلها لحنا يسري في عروق الجمادات فتورق بعد يبس، وهو الذي إن شحّت عليه الدنيا، يبني من شواردها قصوراً يطل من نوافذها الإعجاز.

كان الشاعر يركض في الدروب مع القطعان والضواري، لكنه التفت في ليلة إلى النجمة وقرر أن يسميها «موعد الفجر»، وحين اكتمل البدر في اتساع عيونه، أدرك أن كل النور في الكون هو انعكاس لنور قلبه إن صفى؛ ولذلك راح ينقش على الجدران اسماً لا يعرفه الناس، ويكتب على جبين الكون كلمات هي نجوم تظل تومض عند اشتداد العتمة وتنير للعابرين عقولهم وقلوبهم.

عادل خزام | akhozam@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا