• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

الصنف المراوغ

تاريخ النشر: الجمعة 11 سبتمبر 2015

يتوارى المراوغون في مكمن الغدر، وفي الجحور، وتحدّق عيونهم الخبيثة من بين الشقوق. فإذا واتتك الغفلة الخاطفة، أو لفّك السرحانُ للحظةٍ، انقضّوا على طهر روحك، وكشفوا أمامك أقنعة الشيطان. لكنهم، وإن استبسلوا في الدسيسة، لا يقوم لهم مقام تحت ضوء الشمس، وسرعان ما تخبو في أيديهم النار، وتتلاشى ظلالهم في العتمة. وأول المراوغين هو المنافق. عندما يتلوّى ويتلون في الكلام مرّةً يبطّن الحق بالباطل، ومرّةً يدسُّ الكذب في ثياب الصدق ويرمي بين الغافلين فتيل الخصام، لكن حبل النفاق سرعان ما يُقطع، والمتعلقون به، والماشون فوقه، منحدرون لا محالة إلى الهاوية.

ومن بعد المنافق يأتي المغرورُ المتباهي بفراغ روحه وميوعة عقله، وهذا تراه منتفخاً لكن جوهره خواء، وتراه يمشي مشية الطاووس ولكن للوراء. متقدماً يسبق الجميع في طريق السراب، رافعاً أنفه إلى جهة التُراب. وما من صديق للمغرور سوى المرايا الكاذبة، فإن رآها ظنها أعين الناس، ولكن الناس تُدرك أن التعالي شيمة النفس الجاهلة، وأن التواضع هو ما يرفع الروح إلى المعاني السامية.

يأتي بعد ذلك صنف الغادرين، وهؤلاء حتى لو أطعمتهم الدهر كله، وسقيت عطشهم من عروقك، وحميتهم كي لا يسقط الجدارُ على رؤوسهم، فإنهم يطعنونك في الخاصرة، وينهبون نعلك. وسترى أنهم حفروا في درب ممشاك الحفرة التي سيسقطون فيها.

ويتبعُ هؤلاء النمّام الذي يضجُّ من فكرة الستر، ويستلذّ إذا ما انكشفت عورة الشمس. في الصبحٍ لسانه القبح، وفي الظهيرة يطعن في كل سيرة. وتراه يهذي ويروي ويشرحْ، لكن غايته أن يعرّي الحقيقة، وأن يفضح. وهذا مصيره اللعنة والنبذ، ومآله إلى بهتان.

ثم يأتي متقدماً عليهم الدجّال، وهذا تراه على المنابر وفي الشاشات يرغي ويزبد، واصفاً السكينة في الروح بأنها الضعف في الجسد، مستنكراً أن تتوحد الصفوف يوماً والناسُ قد جُبلوا على مذاهب شتى، لكنه لا يدرك أن القلوب الصافية تستدل على بعضها بالفطرة الأولى. ولا يتناهى إلى جهله بأن الأوطان العظيمة هي تلك التي تذوب فيها الفروقُ، ويكون للإنسان معناهُ ما دام يحترم الأكثرية. وقد ينجح الدجّال في استمالة المتشرذمين لليلةٍ وضحاها، لكنه معهم يسقطون في وحل شرورهم ما إن تبزغُ شمس الوضوح، وتغسل بنورها كل الكلام الأسود والخبيث.

لا يخدع المراوغ إلا نواياه. الناسُ تمضي في قوافلها لتبني شجر المستحيل، وهو يدورُ في مكانه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا