• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

مرهم النسيان

تاريخ النشر: الجمعة 04 سبتمبر 2015

بيدين حافيتين صفعتُ الندم، ولبست أشواقي قميصا وخرجتُ أركضُ في شوارع الحنين. الرجلُ الذي تخثّرت روحه من شدّة اليأس قال لي: لا تذهب في طريق العشق لأن سهامه ستصيبك في القلب، ولن يُشفيك بعدها مرهم النسيان. لكنني تجاهلت نصائح الميتين منذ زمن، وما عدت أسمع غير نداء النجمة البعيدة. ولا يشدّني سوى خيط الضوء أراه ملفوفا على رقبتي وأنا أتقلّب في حضن الحقيقة، متلاشياً في نور المعرفة. وكم جلستُ فقيراً على باب الكتاب لعلي أفوز بكسرةِ حرف، أو بقايا من كلام العارفين. وكم وقفتُ منتظرا مطر الخلاص يغسلُ ذمّتي، ويلمّ أشلائي التي تناهبتها الأسئلة. ما زلتُ طفلاً نعم، ولو عجنتُ سنيني كلها على طاحونة الصبر، لوجدتها لا تساوي ورقةً في صهيل الذكريات. ولو كتبتُ لحظة العشق، لو وصفتُ ما جرى في لمحة الانخطاف تلك، لما كفاني البحرُ حبراً. يكفي أنني ارتفعتُ عن الأرض شبراً، ومشيتُ على الهواء أسابق الغيمة الماكرة. ويكفي أن الجبال تباعدت كي أعبر خفيفا بينها من غير أن يخدشني سكان الجحور. كلما مررتُ على نارٍ مريضة بصقتُ عليها لأشفيها من عاهات الحروب. وكلما رقص الشيطان يُوقعُ بين الشقيقين، فلقتُ فكرته بحجر الصواب، وأدميتُ عينه السوداء بريشةٍ لا تخُط سوى البياض، ولا يغرّد طيرُها إلا بالبياض. حتى لو كانت الحكمة تُكتب بكحل العاقلين.

بيدين ممدودتين للعناق دخلتُ بيوت أعدائي. الرجلُ الذي تبرّم وجهه في ليالي الخصام قال لي: لا ينفع الحب في وجه من حملوا السيوف عليك، ولا تنفع الكلمة الطيبة في أذن الصنم. وقال لي: خذ جناحك وابتعد، اترك الدم يجري نازفاً من عروق أهل الذّم. ولا تلتفت لو تعفّر مذبوحاً أمام عينيك طائر الأمل. إنها الحياةُ تعيدُ دورة الماضي وينقلبُ فيها النقيضُ على أصلِه. إنه الإنسان تبلّد في مسرح العناد وما عاد يُمتعه سوى رقصة الموت يؤديّها في مشهد اليأس الأخير. وقال لي: اذهب إلى الستر، لا ينفع أن تحمل الوردة وغيرك يحمل السكين. لكنني لا أصدّق صدق المتبرمين، وأدركُ أن بذرة الخير تنبتُ، حتى لو رميناها في مستنقع الشياطين.

بيدٍ يريد لها المتجهمون أن تُبتر، وبقلمٍ يريد له المتحجرون أن يُكسر، وبلسانٍ دُرّته الصمت، وقف الرجل الحكيم قربي وقال: سر الحياةِ مخبوءٌ في كلمةٍ واحدة، كلمة فقط، هي تلك التي تقولها في عمق ذاتك، من غير خوفٍ من أحد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا