• الخميس 07 شوال 1439هـ - 21 يونيو 2018م
2018-06-15
صفحة العيد
2018-05-11
جناح أغنيةٍ آتية
2018-05-04
في مدح لا
2018-04-27
مديحُ كتاب
2018-04-20
أبوظبي للكتاب
2018-04-13
ثوب الليل
2018-04-06
طريق التنوير
مقالات أخرى للكاتب

الكلمة ونقيضها

تاريخ النشر: الجمعة 26 يناير 2018

تذبل الكلمة الحرّة، وإن جفّ حبر قنديلها يوماً، قد تنطفئ، وقد يلوثها النمام، فتصيرُ فتيل فتنة. وربما جرّها الوعّاظ وأعدموها أمام مرأى السذّج وعلى مسمعٍ من الغافين. لكنها برغم ذلك لا تموت. فالشاعر الذي كتب وصفاً للحب قبل ألف عام، يعود يولدُ من جديد اليوم وعلى فمه انبلاجة ضد. والحكيمُ الذي حفر بأظافره على جدران الكهوف معنى الحقيقة وسموّها، هو نفسه الطفل الذي يرسم الشمس على دفتره المدرسي، ويقول: هذه أمي. وفي عمر المسافة والزمن، يموت الجدل، ويتبخر رماده سريعاً كلما غيرت الريحُ جلدها، ولا يبقى خالداً إلا الكلمات التي تحمل في بطنها جمر الحقيقة، والمعاني التي مهما تطاولت عليها قسوة المحو، إلا أنها تظل تنبض في روح الكون، عائمة هكذا في سديمه مثل مذنبات حرة، ولا يصطادها سوى الشعراء أسرى السؤال. الشعراء الذين إذا استعصت عليهم دلالات الحياة، ابتكروا على بياض القصيدة حياة أخرى، وسكنوا في عروش خيالها محروسين بالدهشة، مغموسين في نعيم لا يحدّه الوصف، ولا تضاهيه المعجزة.

الفرق بين الكلمة الحرة، ونقيضها. أنها تسكنُ أولاً وأخيراً في النص. لا يلعلعُ بها لسان، ولا يحتويها شعار طافحٌ بالوهم. يتبدل لونها كلما مرّت عليها العيون الخائفة. العيون التي تفتشُ في القواميس عن الخواء وتُريدُ أن تُعليه. والأيادي التي تحولت أصابعها إلى مقص، لكنها لم تقطع سوى الفراغ. وإلا، كيف تسربت قصائد العشق منذ آدم، وكيف جرى نهرها ليروي الرسائل ويحمل بذرة الشوق من أرض لأرض ولم يغرق؟. وكيف نجت من بطش الحاقدين على الحب، الكتب التي مجرد غبارها أغنية، ومتونها أسرار أفئدةٍ سقى عروقها الوجد، حتى ابتلّت أوراقها بالصفو. والذي يفتّش عن الكلمة الحرة، لن يجدها على ألسنة الملقنين. ولن يرى أثرها في مجالس التكرار. ولن يحدُس بصدى ثقلها في روحه، إلا أذا تنفّس النصوص العظيمة وفك شفرتها سطراً بعد سطر. وساعتئذٍ، سيرى كم هو ثقيلٌ الكلام الذي تلوكه الأفواه ولكن لا يبلعه العقل. وكم هو خفيفٌ الخلاص من وطأة الكلمة التي تظل محبوسة في القلب، ولا يعرف العاشق كيف يبوحُ بها.

والكلمة الحرة ليست حمراء. لأنها إذا قيلت، سطعَ فجرٌ ذهبي من الجهات الأربع. وصار بزوغها نبأٌ تنحني له الأقلام، وكأنها ستكتب من جديد مولد الزمن، وليس ظله.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا