• الثلاثاء 04 صفر 1439هـ - 24 أكتوبر 2017م
2017-10-20
من هذه المرأة؟
2017-10-13
حواس جديدة
2017-09-29
يوم تأخر بريد الأمل
2017-09-22
معاً أبداً
2017-09-15
قطرة الصبر الأخيرة
2017-09-08
أهلاً بالعالم
2017-09-01
قلبكِ العيد
مقالات أخرى للكاتب

ندى

تاريخ النشر: الجمعة 06 أكتوبر 2017

في قاربٍ مثقوبٍ ينام المسافر، ومن كأسٍ مكسورة يشربُ العطشان. والشاعر وهو مغمض العينين، يرى الليل والنهار يتصافحان عند الفجر، ويفترقان في طريقين ضدين. لكنه عند اشتداد الظهيرة لا يعودُ يفرّق بين الفكاهة وبكاء راويها. وإذا ناداه صوت البحر، لمعتْ في مقلتيه ذكريات غرقى واستغاثات مهجّرين. وإذا فرش السماسرة خرائط التيه تحت قدميه، ظنّها سجادة وداس على أنهارها ضاحكاً ومضى. وسوف ينحني الشاعرُ ليمسح رأس طفل طردته مدارس الطاعة، وسوف يقفز من على عتبة بيته محاولاً اصطياد القمر وقد أوشك إلا قليلا. وسوف نرى الناس في مجرى قصائده الأولى بلا وجوه، والنساءُ في سهول خيالِه يمرحن سعيدات في بريّة التيه ويرقصن مع الخيول الجامحة. كلما سقطت ورقةٌ من ذكريات القصيدة، نبتتْ على الأرض غابة أمنيات، وحام فوق حروفها طيرٌ كثيرٌ، واستوطنت الكلمات الثمر الذي على الشجر، وجرى الحبرُ نهراً، وتناسلت المعاني في خصوبة بياضها. فيا لها من ورقة سيقالُ. ويا له من شاعر، وظّفناه حطاباً، فبنى نوافذ للعصافير وأدخل الشمسَ لليائسين سراً من باب الصباح. ثم وظفناه قاتلاً مأجوراً، لكنه ابتكر مسدس الماء وراح يُطلقُ الرصاص على الورد حتى سال نزف عطرٍ غزير.

الحب جرة فخّار على رأس الشاعر، فلا تهزّوه. لولاه، لما روى الراعي سيرة عشقه بلسان مزمار، ونام وحيداً على مخدة صخرة، وملتحفاً بفرو القمر. ولولاه، لما استيقظت في الحناجر الخناجر وارتفع صوت الحقيقة أعلى من فحيح الدجل. ولولا الشاعر، ما مشت نظرة الحب من عين لعين، ولا شقّ سهم العشق قلبين كانا معتمين فأضاء دربهما. وُلدنا أولا من صُلب الكلام. من المعنى الذي يمنح الذات علوّ عزّتها، ومن اشتقاق الحرف من الحرف وتداخلهما ماء بماء. ونحن إذ كبرنا في عيون مرايانا، فهذا لأننا كنّا نربّي كلماتنا على السمو، نسقي براعمها الصغيرة من ندى الشاعر، ونغذي أشجارها العالية من خيال عذوبته وزلال أغانيه.

منذ المهد، ترنمت الأمهات على رؤوسنا بلحن آهاتٍ فاض الشعر من حنانها وأزهر وأثمر. وفي الطريق إلى المجد، كانت كلمات الشاعر عربات خيولنا. وفي النوم، كانت الطيور التي يُطلقها في أحلامنا تغرد بألف لون. وحين كتبنا على سبورة الدهر أسماءنا برّاقة وتشعُّ بالوضوح، فإن ذلك لم يكن إلا صدى لحقيقة الشاعر فينا، وحقيقة الجمال فينا وهو حيّ.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا