• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

شاعر الحياة

تاريخ النشر: الجمعة 27 يونيو 2014

أيها الشاعر.. من أعطاك هذا الصوت لتهزم به دويّ المدافع، وتُلجم بحبرهِ أحقاد من كرهوا الحياة ورفعوا راية الموت تاجاً على عرش الخراب؟ ومن الذي بثّ في حروف اعترافك قوة كسر الجدار؟ وقد بناهُ الجهلاء من حديد الصدأ. لماذا كلما مررت على ورقٍ أصفر يخضرّ؟ لماذا كلما مسحت على سبورة الظلام، شعّت أحرف النور وتطايرت النجوم في حلكة الحلم حتى ظنناهُ الحقيقة أو ظلها؟ وهذا البحرُ، كيف عبرته بساقين طويلتين وربطت الشرق بالغرب كأنهما جناحاك وقلت: السلام نشيدي ولبّ المحبة فحواي. وهذه الحرية التي ظن الغافلون بابها مغلقاً، من أين تملك مفاتيحها؟ والناس تدافعوا دهراً على عتباتها وما خرجوا وما دخلوا ولكن دارت الأيام تطحن أغلالهم، وتعيدُ تُلهي جشع النفوس وهم لا يرون في هذا الصراع لا أسفاً، ولا عبط النهاية في مآلهم.

يا شاعر الحياة.. قل: تباً لهذا الموت وافصل بين رأسين تناطحا من أجل وهمٍ وهما من نسل توأم. هذا يريد الخراب لنفسه، وهذا لا يبالي لو أحرق الغلّ أرضهما أو آل إرثهما للغريب. يا شاعر الحياة.. قل كلاماً عن حيرة الصمت حين ترى النار توقدُ في شجرٍ مزهرٍ، والسهامُ تُرمى على ظل راميها، والسمُّ ينثر في نهر المشاع، وعلى ضفتيه يموت من رمق أخير وارد الوردة وساقيها.

يكتب الشاعر كلماته بحبر الدم. ذلك لأنه يدرك أن كل كلمة تُكتب بحبر الماء تتبخر سريعاً ومصيرها إلى زوال. وكل كلمة تكتب على الرمل، يمحوها زبد الموجة اللعوب. وكل كلمة تُحفر على زجاج المرايا تصير مقلوبة في المعنى وقد تتكسر بضربة من حجرٍ مجهول وتتناثر حروفها عبثاً. لذلك، يختار الشاعر القلم المنقوع في الدم ليكتب بجمرهِ ما يشبه الصراخ المستمر في صدى الأيام. فإن أراد وصف زمانه المر، رسم غصناً مائلاً في شجرة اليباس وتحتها الأسودُ عطشى وجوعى، وفوقها الغربان تنعى. وإن أراد التغزّل بمن فطرت له القلب وتركته في لوعةٍ، حكى عن قمرٍ يغيب وقت المناداة، وعن شوكةٍ تندس في خاصرة الورد لتلدغ سرّ قاطفها. ولا يملك الشاعر في أوقات الحرب، سوى أن يطرد الدخان الذي يحتشد في سماء الورقة، يقشع ما يعكّر وداعة الكلمات ويسد مجرى جريانها في الضمير. وحتى وإن حاصرته السيوف ونثروا في صفاء عينيه عجاج أوهامهم، فإنه يرى ببصيرة المعنى من أين يبدأ درب الخلاص الوحيد، درب الانحياز إلى الجمال مهما كلفه الأمر. ويختار أن يزحف فيه وحيداً، فيما الآخرون يقتتلون على كعكة فاسدة.

متسلقاً جبل الكلام، متربعاً على قوس الحقيقة لا يميل هنا، ولا تدفعه الريحُ هناك. إنه شاعر الحياة الذي إن اختلطت حروف الحب والحرب، فكّ اشتباكهما بأغنية في نشيدٍ مستمرٍ نصفه صمتٌ، ونصفه الباقي رفيف في سماءٍ تبتعد.

يكتوي الشاعر إن أضرم الكلمة

وقد يهلك غرقاً في بركانها

وقد ينفجر، إن أطال في كتمانها.

عادل خزام | akhozam@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا