• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
2016-10-21
عينُ القلم
مقالات أخرى للكاتب

مهنة الجُرح

تاريخ النشر: الجمعة 05 يونيو 2015

يا من سرى سراً في الليالي وخاض في عتمة قلبها بحثاً عن النور. كيف في لحظةٍ، والناسُ نيامٌ في الغفلة الكبرى، اهتديت إلى القصيدة وعثرت بين حروفها على كنزك الذهبي. وكيف بقلمٍ وشمعة وحيدة، أضأت الكون كله. ها هي كلماتك تزأرُ في العقول المريضة، وتدك مضاجع الغفلة، وتفتحُ في جدار المعاني شرخاً جديدا كل يوم. وها هو السطر الذي حفرته بيدك، صار درباً للباحثين عن لذة التيه. رأيناك تكتب منكباً على فراغك الأبيض، ولم نعرف كيف استوى العالم كرة في يدك تدحرجها على البحر وتبدّل ألوانها في الفصول. من أين سرقت الطباشير لتمحو ما كتبته العصا على جبيننا. وهذا الحبر الذي سال نهراً من عروقك، صارت ترتوي من عذوبته الحقيقة، وتكبر بيننا أشجارها.

أيها الشاعر، وأنت جليسُ مخاضٍ، ونديم عدم. كيف بكلمة (لا) صفعت الريح على خدها وخلطت أوراق العاصفة. وكيف بكلمة (نعم) جررت الأمل من ذيله الطويل وربطه قلادة في رقاب الفقراء. وكيف بـ (لن) قلبت الفكرة على نفسها وبعثت الضد ليكون هو الأصل في رؤى النهاية. وكيف بـ (كفى) رفعت النشيد ليكون سداً أمام النشاز. وهذه الكلمة التي اسمها (الحرية)، لماذا تلعثمت دهراً وارتجفت أصابع قلبك حين رسمت حروفها الأولى، ولماذا تراءت المشانق في عينيك وهاج بحر من الدم حين جعلتها في أول السطر. يكفيك أن القواميس حُرقت من أجلها وماتت قربها كلمات كثيرة، لكنها لا تزال حيّة، تمُورُ مثل النار في أمنيات الملايين ولم يذق طعمها أحدُ بعد. وستظل الحرية بابك الوحيد كلما جاعت الروح لنبعها.

أيها الشاعر، يا جرح ذاتك. سيكون عليك أن تحمل صخرة السؤال وتمشي بظهرٍ منحنٍ في حقول المياعة. يرميك الجبناءُ بحجارة الجهل، وتطردك المرأةُ التي ناديتها بحرقةٍ في كتاب التوق. وما تخطه يدك في الليل، لا يفقه سرّه إلا البعيدون القادمون من المستقبل. يوماً، عندما تُكمل اليقظةُ استدارتها، ومن كل ورقة تُشرق المعاني كما ولدت في أصلها. وسيكون ذلك يوم اختفائك من مهنة الجرح. ويوم قيامة كل جديد.

أيها الشاعر.. هذا العرق الذي نزفته حرفاً حرفاً، وهذا الحنين الذي حفرته نبضاً نبضاً، هو ما يجعل الحياة جديرة كي تعاش. وهو ما يمنح الوجود سبب سعينا لاكتشافه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا