• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-21
عينُ القلم
2016-10-14
ذات حين
مقالات أخرى للكاتب

دمعة النار

تاريخ النشر: الجمعة 28 أكتوبر 2016

كنتُ طفلاً، حين أجلسني الحكيمُ قرب كتاب الصمت وقال: اقرأ. ها هو الهواءُ يثورُ قليلاً في الزوبعات ولكنه في النهاية يهدأ. وها هي الخطوةُ تحبسها السلاسلُ، لكنها بقوة العزم تقطعها وتبدأ. وأنظر للغريب يحطّ قدميه على رمل المتاهة، وتصير أوطانه من ملجأ إلى ملجأ. وأنظر للخسيس لا وعد يصدقُ من لسانه ولا يستقيمُ له مبدأ. أكشط غبار عقلك إذن، وإذا تخاصم الضدّان في قلبك لا تنحاز لنعمٍ أو للا، لأن الكلمات تبلى بعد حينٍ، وقد تصدأ. وقد يبدّلُ وقْعُها الجُهّال هذا يظن الحب أن تقسو، وذاك يظن الحب أن تقتل، وأنت من كلام كلاهما لا بد أن تبرأ.

وقال لي: لا تنبش رماد الورد إذا أحرقوه، ولا تبك الورد لأنه سريع العطب. الناسُ كُنّاسُ ماضيهم، فإذا تراضى كبارهم فطنوا إلى الحقيقة أين مرساها، وإذا تخاصم صغارهم، عادت سيوف العنجهية تطعن نفسها وتغني لأساها. وعساها بعد اكتمال نهر الدم، تعودُ تسبحُ عكس من دسّ الغواية في كأسها ومشى ضاحكاً ونساها.

وقال لي: ما يقتلك حقاً هو لدغة عقرب الساعة، حين تجلسُ مرتخياً في غفلة التذكّر، ولا تنتبه لظلالك وهي تدورُ حولك منذ مطلع الشمس حتى غروب الأمل. يعبرُ الوقت سريعاً، وأنت مصلوبٌ في منتصف الطريق لا تعرف أين تُطلق جِمالكَ والأرضُ مرعى، ولا في أين تربطها والثعالبُ من حولك جاعت، والذئابُ للتو بدأت بالعواء على القمر.

وقال لي ثم قال لي، ولكن من أنا حين كبرتُ. دكّ صومعتي الضجيجُ وحاصرتني نبالُ عشواء وصد الطيرُ عن غصني وغادرتني تغاريدهُ. جالساً أعضُّ على حبالٍ شددتُها على يدي، كنتُ أحاولُ أن أصنع قيداً للفراغ وقفصاً لأحلامي كي لا تزوغُ. وما انتبهتُ إلا والسنون قد اكتهلت، ولم يبق في صرّة الترحال سوى المفاتيح التي لن أحتاجها غداً.

وقال لي: لا تتبع الشعراء لأنهم غرقوا في مكيدة الشطح، وسرت عليهم تهمة المجنون. ولا تتبع العشّاق لأني رأيتهم بأم العين وهم يذبحون في معبد الحنان، ويساقون راضين إلى منفى الحرمان. ثم صمتنا، ثم قمنا، وصافحني وصافحتُ كتابه السري وغادرنا غرفة السؤال. هو ذهبَ إلى اليمين حيث الطمأنينة تنبتُ في الطريق، وأنا بقيتُ وحدي، لكن دمعة صغيرة مني سقطت على الورقة، وأظنها دمعة النار.

Adel.Khouzam@alIttihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا