• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
2016-10-21
عينُ القلم
مقالات أخرى للكاتب

ذات حين

تاريخ النشر: الجمعة 14 أكتوبر 2016

هدّ عافيتي الترددُ، وشلّني الجلوسُ على عتبات الانتظار. بلا دخولٍ في الدهشة العامرة، وبلا خروجٍ من وخزة النار. كلما فتحتُ صوتاً وناديتُ خيول الأيام تنتشلني من حفرة الصدى، ذرّت الريحُ غبارها في عيون الرؤى، وتجهّم الليلُ يعبسُ في وجه أحلامي، ويبثُّ فيها الضّجر. وأنا في الأصلِ طفلٌ من ورق، كلمةٌ لم يقلها قلمٌ إلا وغصّ في قرارةِ حبرهِ. ولم تنقشها ريشةٌ، إلا أحمرّت يد حاملها. صرختُ جنيناً بأحرف الحرية، وطفلاً باسمها، وصبياً لو أراها، ورجلاً لو أشمّ عطر سحابها من بعيد. وحين مشيتُ على ورق الحقيقة، تكاثرت فوق رأسي رماحُ أسئلةٍ نافرة، وتفرّقت الطريقُ إلى ألف ممشى، ونبتت على جانبي الدرب أشواكُ شكّ. وسيكون لزاماً عليّ بعد ذلك أن أفضّ الغموض، حتى لو حملت الصخرة وكسرت بها الأبواب العصيّة. ولزاماً أن أشقّ جبال الوهم كي أعبر نحو عينين حلمتُ أن أضيع فيهما حراً من كل ذاتي، ومن ضيق ذاتي.

والحرية هي المرأة التي تسكن الحرف قبل أن يُكتب أو يُقال. وأنا أطاردها مذ ولدتُ، وهي تقفزُ من كتابٍ إلى كتاب. بفستانها المرصّع باستعارات الدم، وبمنديلها الذي كلما سقط من يد التمثال، تلقّفتهُ مليون يدٍ جريحة. ناديتها يوماً: تعالي مرةً يا ابنة الشمس، يا طفلة الفجر الذي إن جاء، جاءت نحونا الحياةُ كما نريدها، وعشناها كما يجب أن تعاش. ولكن حين تأخرت في الطفولة، قلنا غداً تُزاح من على نوافذنا غمامة الخوف وربما يوماً نطير. لكنها تأخرت صوتاً، ولم نسمع في غناء البدايات سوى نشيد الحذر. وحين كبرنا قليلاً، رأينا الرجال يساقون إلى المتاهة ولا يعود أجدرهم بالنجاة. وحين نظرنا من شقوق الستر، سمعنا فزع الأمهات من غول الظهيرة، فلم نخرج. وكانت تلك بداية انزلاقنا في ركام الحائرين.

من أنت، قلت له في المرايا، لكنه أشاح بوجهِه عني وصدّ ناحية الجدار. من أنت، قال لي في كل مرآة نطقتُ لها، وما سمعتُ منه سوى ضدّ ما أنويه، وضدّ ما مددت له يدي. ترى كيف انفصمنا، وكلانا وجهان في عملة الأنا، وكيف تشظينا إلى مليون رغبة دفينة، ونحن لم نحلم إلا بشيء واحد هو الحرية، التي لا نعرف شكلها، ولا من أين نولدُ تحت سمائها لو أطلّت، أو استهلّت فوقنا ذات حين.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا