• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

حكمة الفصول

تاريخ النشر: الجمعة 22 مايو 2015

في الخريف يضجر الأخضر، تذبلُ أوراقه في اصفرار الأيام، وتسقط في التلاشي والأنهار السابحة. وما كان زهواً وعبقاً وسحراً، يصيرُ بعد عزٍ، يباساً ويتغير جلده لا محالة. والبشرُ يدخلون في خريف العمر مبكراً، قبل أن تكون ثمار الروح قد نضجت، وقبل أن تكتمل على ورق السنين سيرة أنهم أحياء. وفي غمضة عين تبتعد الطفولة مثل سفينة محملة بالأحلام، ويغادر الشباب وهو للتو ما اكتملت شموعه بعد. والأدهى حين يكتشف المتأخرون، أن سعيهم كان في المكان نفسه، وأن الخطوة التي مدّوها وهم نيام، عادت بهم للوراء. لذلك تذوب الوردة في يد النعسان من غير أن يشعر بها. وتختفي الكلمات من كتب الحكمة إذا وقعت في يد البرابرة والجهّال. وما يبقى هو التغيير، ومن يحيا بحق، هم أولئك الذين تبقى طفولاتهم ترافقهم في مرارات الصعود والهبوط، ومن يحفرون كنز الذاكرة لاستنباط جوهر ما خبروه. ولذلك لا يكون خريفهم ندماً، وإنما يكون انقلاباً على رتابة التحجر.

في الربيع يولد البديع. تتلاقى الألوان كلها في قلب الوردة، ويهبط قزح مثل جسرٍ فوق مشهد الحياة، ليصبغ طعمها بالكرنفال. ومن رقصة الفراشة، يدرك الحكماء أن الدنيا لا تدوم على حال مستقيم، وأن الوصول إلى لُبّ الأشياء، يحتاج من المرء أن يغير مساراته في كل خطوة، وأن ينحني للريح حين تزمجر في لحظة عنفوان، لكنه يعود ليعانقها حين تفوح بعليلها. ومن درس الربيع أنه لا يدوم، ولذلك يذهب النبيهُ إلى جني ثماره والتمتع بمنظر السحر قبل غروب الأمل. ومن لم يذق لذة الأيام وقت نضوجها، يكون قطار العمر قد مر عليه سريعا، ومضى إلى غير رجعة.

في الشتاء يحلو الاختباء. حين يلجأ العراةُ إلى النار، ومن حولها يسردون قصص التمني والذكريات والصبر. وحين يهطلُ المطرُ غزيراً ليطهر الأرض من بقايا رماد العابرين ورمل خطواتهم. ومن بياض الثلج سيبتكر الإنسان فكرة الورقة التي لا تذبل أبداً، ولا يتغير لونها، وبين سطورها سيكتب كلمة (الصفو)، ويجعلها غاية ومراماً. هكذا تدور الفصول كلٌ يجاذب نقيضه، ومن دورانها يُبعثُ الميزان، والحكيمُ هو من يستقبل الشتاء بمعطفٍ وابتسامة، وهو من يودعه شبه عارٍ حين يقترب الصيف، وتكون شمسه الدافئة بشارة أخرى لحياة تظل تتقلب في معانيها وأشكالها، لكن جوهرها الحقيقي يبقى واحداً لا يتغير. ومن يدرك حكمة الفصول، يُكتب له الوصول.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا