• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

فمُ الراوي

تاريخ النشر: الجمعة 30 سبتمبر 2016

حدث يوماً أن مات الفيلسوف. وبعدها راج الكلامُ المرّ على ألسنةِ الصامتين، ونطق الذي ظنّناهُ صنماً وشبه مات. وقيل في المذياع الهذر، وشاع في الشاشات القتل. ثم تخثّرت الأقلامُ وماعَ حبرها، واصطفّ الفقراءُ في طوابير قرب البحر، وهم يرتّلون أغنية العطشان. وما حدث حقاً، أن رجلاً اسمه الخوف، فتح القواميس وبدل الكلمات عن مواضعها. وأن امرأة اسمها النميمة، همست في صدور الغافلين وبثّت بينهم سيرة الشك، ثم خرج الشعراءُ من عزلة الخيال، ورأيناهم يذبحون في عرس الفوضى. هكذا انفلتت خيوط النهاية قبل أن تبدأ. حين سمعنا العقلاءَ يذمّون المدح، ونحن لا نملكُ غيره. عندما استيقظت فينا كلمة (الآه) وغصّ بها المغني، وعندما تسمّر المذهولُ، وهو يرى النساء ملثماتٍ، بعيونٍ نصفها دمعٌ، وكحلها دمٌ، ويكاد يعميها الحنين.

ما بال النبال تراخت، وكيف آلت الألفةُ إلى تلاطم موجتين، هما في الأصل نبضٌ واحدٌ. وأنت أيها البحر، ونحن نسكنُ في سكونك. الطُف بنا على قدر مدّك. دع الغرقى يجاهرون قليلاً في الزبد. وإذا رأيت مراكب التيه تقبّلُ فم المتاهة، لا تبتلع أحلام من ركبوا الزرقة الساحرة، وغرّهم الرحيل في سلام فيافيك. فليس لنا بعد الرمل سوى حنانك، وليس لخطوتنا جناحٌ سوى شراعك.

مرة أخرى هكذا ودواليك. كلّما عبس اللّيلُ تبسّم فجره. وكلما غمغم الراوي، تلاسن المصغون، واستعرت في حلوقهم شهوة الاختلاف. وما قيل بالأمس، لم يكن فحوى لفتوى، بل مجرّد كتمٍ لتنهدّات حر. وما سيقال غداً، لن يكون سوى عواء عقولٍ هدّها أن ترى الرحابة سجناً، والسماء ظمأ.

بُحّ المنادي، لكنه مثلي تيمم بالهواء ولم يطر، وحين التقينا على قارعة الحظ، رمينا نرد الكلام ولم يفز منّا أحد. وما حسبناه باب خروجنا من ذكريات اللّغو، كان أوان دخولنا في تهمة النكران. هذا لأن الذي ستخطه أظافرنا على الجدران، لا بد يوماً سيمحوه الطّلل. وما حملناه على رؤوسنا كان غيمة يشحُّ رذاذها في ساعة الصفو. كل هذا سيحدث مراراً، لأن مكان الفيلسوف ظل فارغاً، وربما قفزت فوقه، ورقصت، الأشباهُ والظلالُ والأقنعة.

بيننا وبين الحقيقة شبرٌ، لكننا لم نصلُها بعدُ، لأن الخُطى لا تزال ترتجف. ولأن القلوب لا تستكينُ لبعضها، إلا حين يغسلها ماء المحبة، ويظلُّ الحبُّ دفاقاً في عروقها للأبد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا