• الأربعاء غرة ذي الحجة 1438هـ - 23 أغسطس 2017م
2017-08-18
كلانا كلٌ كاملٌ
2017-08-11
شمس أغسطس
2017-08-04
جِذر الرجعية
2017-07-28
عد لبيتك تنجو
2017-07-21
سرد النجوم الآفلة
2017-07-14
خندق الشر
2017-07-07
درب الكراهية
مقالات أخرى للكاتب

سراب المعاني

تاريخ النشر: الجمعة 01 مايو 2015

ندخل الحياة مضرجين بالبكاء، ويقابلنا الناسُ فيها بالفرح والضحكات والزغاريد. وما بين الفرح والحزن، تدور بنا الأيام في منعرجاتها. ترفعنا مرةً الى حدود النشوة بهذا الوجود العظيم، ومرة تجرنا القسوة لنرى الحياة وحشةً وسجنا. ولا يملك الفرد، وهو يتقلب في تناقضاتها، الا أن يبني اسلحته ويمضي مقاوما التيار إن استطاع، منحنيا للريح إن هبت بزمهريرها تقتلع الشجر والحجر. وما الطريق سوى صعود حلو لمعانقة الضوء البعيد، ولكن يعقبه نزول مر للسفح المقفر. وما من خلاص من هذا الشقاء سوى الوصول الى خط النهاية. بعضنا ينتهي به المطاف وهو في أول العمر، فيكون عرضة للنسيان والهجر. وبعضنا، بهمّة السباع، يخترق الحواجز قبل الآخرين ويخوض في غابات الغموض ليخرج من الجهة المقابلة وهو أكثر زهوا بنفسه، لكنه يجد على الأرض آثار من سبقوه الى القمم البعيدة.

يأتي الشعراءُ متباهين بالجنوح في سراب خيالهم، يرسمون الوردة رمزا مشعاً لمعاني العشق، ويحفرون في ذاكرة القرون سيرة القلب وسرّه حين يخفق أسرع من رفيف الفراشة لمجرد أنه يرى المعشوق متجسدا بعد طول خيال. وما قاله الشعرُ، منذ أن جرت الكلمات على الالسن، سيعاد مرارا بالريشة بعد القلم، وبالصورة بعد الخيال، وبالصمت أحيانا عندما يكون أكثر بلاغة من كلام الذهب. لكن الشعر هو الآخر يحمل تناقضات الفرح والحزن. وفيما يتغنى واحدٌ بالمجد مسرورا بنصر عابر، يبكي آخر لوعة الهزيمة وينوحُ في خراب سنينه وهو يمشي مدحورا ومطرودا من مرايا التاريخ.

هذه المعاجم التي كدسها الأولون صونا للمعنى الوحيد وحفظا لماء الحقيقة، يأتي بعد زمان من يقلبُ معانيها من جديد. وساعتئذ يصعد الكذّاب ليخطب بين الناس عن الصدق. ومن الجحور يخرج المنافقون وفي أيديهم خناجر الغدر متسترين بلباس الأبرياء. ثم يأتي السمسارُ أنيقا في هندامه ليدعو الناس الى السلم، لكنه يكون قد رمى بينهم جمر الفتنة وأشعل في رؤوسهم حرب الكلمات. ومن نقيض لنقيض، ومن ضد مقابل ضد، يظل الانسان يلهث في ابتكار ما يصون صفوه، فيلجأ للحيلة لمواجهة الوحش، ويصطنع المسكنة إن رأى عدوه أكثر بأسا. ومن غير أن يدري، تصير حياته تتشكل وفقا لقواعد المكان والزمان. ومن غير أن يشعر، يكون ذهابه إيابا. ومن دون أن يعي، تكون خطوته للأمام، هي نفسها التي للوراء.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا