• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

احتمال كمالنا

تاريخ النشر: الجمعة 11 أبريل 2014

قال الفيلسوف: لن تعبر النهر مرتين. ولم يعرف أنني قفزتُ في الشلالِ، وجرفتني تيارات الضدّ، وارتطمتُ بصخرة النتوء، وغمرتني أمواج حزنٍ مخلوطٍ بيأس، وانكسرتْ أغصانٌ كثيرةٌ تشبثتُ بها موهوماً أظنها حبل نجاة. حتى الأصدقاء حين مروا قرب غرقي، لم يرمِ لي أحدٌ بمجداف أو قشّة. وقال إخوتي الكبار: لن يرفعك سوى ساعديك، ولن ينفعك سوى إيقاظ العزيمة من عمق ذاتك. ثم انجرفتُ في مجرى التماسيحِ وشدّني أنها تبكي في لحظة الافتراس، وتظل دموعها في هطولٍ حتى الشبع. وحين نجوتُ منها، رماني اندفاعُ الماء في مستنقعٍ كله جبناء وخائفون، لكنني عبرتُ من بينهم مشدوداً بحبلٍ من الضوء رأيته يومضُ من بعيد. وهذا الضوءُ مصدره الكلمة، وأوله الاسمُ الذي انشقّت به شفتان في أول الخلقِ، وولدتْ منه مياهٌ مخلوطة في حروفها فكان كل شيء حي. كلما ناديتُ بالاسمِ، استقر ميزان الكون. كلما خطّهُ الملاكُ على سبورة السماء ليلاً، تناثر في ألف نجمة وصار الفضاءُ فستان عرسٍ مرصّعاً بماس الأمنيات المستحيلة.

قال القبطان: لا تدخل البحر وقت العاصفة. ولم يعرف أنني في لجةٍ على اليابسة، وقلبي في انخطاف وشمعتي سقطت على ورق الذكريات. مشيتُ مشتاقاً للمعنى وقلتُ غايتي أن أشهد الجمال ينبعُ من عينين صافيتين وقلبٍ هو مسكنُ الدنيا. وحين رأيتها منطوقةً بفم الخيال، عرفتُ أن الأرض مسكن الضعفاء واليائسين وبقايا الحُفاة، وأن علي أن أطير لعلي أطلُّ برأسي على جنة المصير.

قال الشعراءُ: خذ الهلال سريراً.. ضع الغيمة وسادةً، لعل أحلامك ترقى وتزورك في المنام صورة ما يُعجز الوصف. هذي أوراقنا بيضاء وقصيدة أنها تأتي لم تُكتبُ بعد. وهذه أقلامنا جف حبرها ونحن ننقش في المعاني ونخدش في خيال الريح ولم تقترب كلماتنا حرفاً إليها.

قال الرسّامُ: كيف أغمسُ ريشتي في الضوء؟. كيف أجسّد ما لا يُرى؟. دلقتُ الألوان على سجادة الأرض فلم أجد ما يميلُ للونِ عينيها. ثم محوت الألوان جميعها فلم أجد في البياض سوى أنه ظل فكرتها الأولى. وهذا الإطار كيف يمكن أن نحشر فيه ما يضيء الكون كله. ولن يعرف الرسامُ يوماً أنها في الأصل بلا ظلٍ سواي.

قال العائدون من الحرب: لا كرامة بلا نصر. وما عرفوا أن هزيمتي بدأت يوم رميتُ أسلحتي مستسلماً للحظةٍ يكون فيها الحبُّ سيداً على فكرة الحرية. ويكون السجن في عينيها أعزّ إليّ من حكم الأرض بأطرافها وامتداد جيوشي عليها في المشرقين والمغربين. وإن قيدتني مسحولاً على الأرضِ تجرّني مثل ظلها، فإن كرامتي تصانُ ألف مرة، وعزّتي تعلو وندمي يغادر.

قال الدهرُ: عمرك لحظةٌ وقطارك سيمر خطفاً ولن تشعر بالزمان إلا وروحك ذاوية. وما انتبه الدهرُ لأن خلودي في لحظة عينيها يعادل كل الزمان. وأن جلوسي قرب احتمال كمالنا، يوازي كل المكان. وأن يدي في يدها هي الساعةُ الباقية.

قالت: هات قلبك..

ورأيتُ كيف في يدها، ينبضُ الحجر.

akhozam@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا