• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
2016-10-21
عينُ القلم
مقالات أخرى للكاتب

كأن الماء ينام أحياناً

تاريخ النشر: الجمعة 09 يناير 2015

تولد حيرة الشاعر، عندما يجلس وجهاً لوجه أمام البحر، فلا يرى سوى سؤال الرحيل مبتعداً في المراكب. ويسمعُ في تغريد النوارس آهات بحّارة قدماء لكنه لا يراهم. وحين يعلو المد، تبتهج السواحل كأنها في عرس، ويغتسل رملها من خطوات العابرين. لكن المد لا يدوم طويلاً، والماءُ بعد أن كان غيثاً، يشحّ في ساعة الجزر، وتعود الوحشةُ ترقص في المكان بعد أن تغادره الضحكات. ولا يعرف الشاعر كيف يفسر لعبة الموجة معه، فهي في لحظة تصير رمزاً للقوة وقت صعودها على أكتاف موجةٍ أخرى، لكنها تعود تتكسر على الرمل ولا يبقى من عنفوانها سوى الزبد. ثم تكبر حيرة الشاعر حين يحط السكون على سطح الماء، كأن الماء ينام أحياناً، لكن في أعماقه تمور حياة صاخبة.

الشاعر، بعد أن رأى وسمع وحسّ، يحاول أن يترجم كل ذلك في قصيدة، فيكتب عن سفينة الغيم وهي تبحرُ مكنوزة بمطر الحنين لتسقي امرأة منسية في بلاد الجفاف. ويهجو المسافة لأنها سجن المشلول، ويختار القمر نديماً في ليل الوله. وبدلا من الماء، يرسم الشاعر بحراً من سراب فيه الجهلاءُ غرقى. وبدلا من الموجة، يصوّر الشاعر جداراً يتهدّم حين تدفعه الأيادي المشتاقة للعناق. وفي القصيدة، يصير الأحمرُ اسماً للحرية ولوناً على خدّيها. وتتصاعد الآهات من فم عاشق يبكي الفراق ويغرق في دمع أمانيه.

الفارق الوهمي بين القصيدة والواقع يُلغى في قلب الشاعر. والحقيقة عندما تتجلى على لسانه تكون مصبوغة بالوهم. ولا يعرف أحد كيف يصير البحرُ أغنية زرقاء على رقص شراعٍ مسافر. وكيف تولد على الورقة حقول وردٍ من ذهب. ولماذا الكلماتُ تلبس غير معناها في ولادات جديدة. ثم يدور الزمان كأنه واقف في الصورة المتغيرة، والشاعر يمشي برجلين عملاقتين فوق الخرائط وقد يمد يد الخيال لقطف القمر، وقد ينحني نافخاً على الصحراء يحيلها جنة ويعيدها خضراء كي يحيا الأمل.

هكذا يفتح الشاعر مجرى لنهرٍ جديد كلما سال من حبر رؤيته الماء، وكلما لوّح بالقلم. ومن هذا النهر ترتوي قلوب بشر كثيرين كانوا عطشى في مرتع الحيرة، مذهولين من سؤال الوجود: من نحنُ؟. ولا يملك أن يجيبهم أحد سوى الكلمة وهي تبزغ في شكلها النوري من جهة الشعر، ثم تضيئ العقول والقلوب، وتبث في النفوس لذّة اكتشاف معنى الحياة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا