• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

كشط الرماد

تاريخ النشر: الجمعة 14 مارس 2014

لا للرماد..

حين يهبط على شكل غيمة في أفق العيون، ويترك أصحابها في غشاوة وخبط. وساعتها يغيب السؤال الجديد، وتحل مكانه إجابات من الماضي، ينتفي السبب الأول والنتيجة تصير بنفسها سبباً لضدها، تزول الدهشةُ ويتبدل شكلها إلى برود ولا فعل ولا حس، ثم يميعُ العقل فتختلط فيه المعاني رأساً على عقب، ولا يعود أحد يعرف نفسه حين يحدّق في مرآة غيره. ولا يعود الأب عادلاً في حبه حين يرى ولديه يقتتلان، وأرضه العزيزة تُداس بأقدام الغريب، ولا نسمع الأم تغني إلا بدمع في المآقي حسرةً على انشقاق الشقيق على الشقيق. وما من نجاة من غيمة الرماد، سوى الاغتسال كل يوم بمطر الصدق، مع الذات أولًا، ومع الآخر ثانياً.

لا للرماد..

حين يندلق على ألوان الحياة، فيحيلها بُهتاً ويخنق في معانيها البريق. يخرج الناسُ مطرودين من فكرة الحب البيضاء إلى ذُلّ الكراهية، يمشون ضد تيار الأمل، في أياديهم تذبل زهرة الوعد ويختفي احمرارها. والأشجار التي كانت خضراء في ذاكرة التمني، تصير عاريةً من غير طير وعش. ومن بعد تلك الصباحات الذهبية، تُشرق الشمس من وراء حجابٍ داكن، فيخسر البشر صحبة ظلالهم، وتكون الظهيرة مناسبةً للاقتتال بلا معنى، والعصر ساعة لنسيان من سقطوا في المكيدة. وما من سبيل لمحو الرماد سوى أن يتمسك العاشق بوردة الحب، حتى لو اضطر أن يسقيها من دمع قلبه.

لا للرماد..

عندما تتبدل العادات حين تتبدل الأسماء. القاتل والقتيل، وهما يخرجان من الرماد جثتين متحركتين لا يعرف كلاهما أنه ميتٌ، فيتصافحان أولاً، ثم يأتي الغبار يلفهما في عباءته فيدرك القاتل أنه أعمى، ويعرف القتيل أن الطعنة المسمومة إنما كانت بيد الصديق. ومن يدخل غرفة الرماد لا بد أن تحمر عيناه، فلا يرى بعدها سوى أشباح نفسه. وإن طعن، فإنما يطعن في نفسه. وما من زوالٍ للرماد سوى كشطهُ من جبين الأشياء، وإعادة الأسماء من جديد إلى أصحابها.

لا للرماد..

عندما يتراكم فوق القواميس، ويترك صفحاتها غامضة ونهباً لتأويل الجهلاء. عند ذلك، يرفع المتوحشون الراية السوداء شعاراً للسلام، ويمدون السيف إعلاناً عن نية المصافحة والصلح. يهدمون البيوت على أصحابها لطرد الأفكار المريضة. وإن جاء الحكيمُ يخطبُ فيهم للتروّي، بتروا كلامه وأقصوه. وإن جاءهم الشاعر يُلهبُ في وجدانهم مشاعر النبل، قتلوه معلقاً على جدار العناد. بنثر قليلٍ من الرماد على صفحة المعنى، يظن المجرم أنه يخفي العار الذي يلوث فعله وقوله. وما من خلاصٍ من الرماد أسهل من فتح صفحة جديدة كل يوم، لعلها تدوم ابتسامة الأمل.

akhozam@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا