• الأربعاء غرة ذي الحجة 1438هـ - 23 أغسطس 2017م
2017-08-18
كلانا كلٌ كاملٌ
2017-08-11
شمس أغسطس
2017-08-04
جِذر الرجعية
2017-07-28
عد لبيتك تنجو
2017-07-21
سرد النجوم الآفلة
2017-07-14
خندق الشر
2017-07-07
درب الكراهية
مقالات أخرى للكاتب

رحيل

تاريخ النشر: الجمعة 02 مارس 2012

ينسل الماء من بين أصابعنا كلما غرفنا من نهر الحياة، وبعد امتلائها، تعود الأكف لتجف ويتبخر عبير مصافحاتها. هكذا نعيش نتقلب في لعبة الأخذ والمنح الكونية، نراقب تبدل الأدوار فيها باستمرار، تعطينا الدنيا ما لا نطلب وتأخذ ما تريد من غير استئذان، خصوصاً حين يهجم الموت على الأحبة والأقرباء فلا نملك أمامه شيئا، وقد تخوننا الكلمة ويمتنع القلب عن الخفقان كالمعتاد وتحاصرنا الحسرة ويهزمنا الندم. لكن الحياة في تبدل أحوالها لا تدوم على شيء، وحالات الفقد وإن حاصرتنا لفترة فإنها لزوال بالتأكيد، حيث تتراجع صور الأمس إلى مخزن الذكريات البعيدة وتحل مكانها بالتدريج صور يوم جديد نحمل فيه شعلة الأمل ونقابل الوجود بالابتسامة التي بها نهزم الحواجز والارتباكات، وقد يكبر الفرح بداخلنا إلى أن يتحول إلى طاقة تدفعنا للقفز عالياً، أعلى من جبال اليأس.

الدروس التي نتعلمها من الموت كثيرة، أولها أن الذين يصرّون على الخصام هم أقسى البشر، وهم من يزرعون أشواك الندم في دروب حياتنا، وثانيها أن الزعل والتبرم والصد والتكبر والعناد هي صفات تقتل روعة الحياة وتخنق البهجة في مهدها. ولو أردنا يوماً أن نحتفي ببساطة بما نعيشه، فإن مثل هؤلاء يصبغون الدنيا في وجوهنا بالغمام الرمادي، ويسورون مساحات القلب بأسلاك الكآبة الشائكة، وقد نيأس ونحن نحاول جرهم للفرح لكنهم أبداً يتمنعون بسبب الجهل والعبط، ناسين أن لحظات الحياة قصيرة، وان الصداقة والأخوة إنما هي دعوة دائمة للتخلص من حصار الملل اليومي الذي يصيبنا كلما افترقنا عن الناس الذين تضج روحهم بالأفكار السمحة. وما جدوى اللقاء بمن تحبهم إذا كانت الكلمات بينكم عتابات واهية، وخصامات ومحاسبات على ما قلت وما فعلت بالأمس.

أيضا نتعلم من الموت، أن الكلمة الطيبة، والعمل الإنساني الصادق هما ما يبقيان بعد رحيل البشر، ولذلك يدرك الحكماء والشعراء أن مرورنا في الحياة ليس عبثاً، كل فعل جميل نقوم به يظل مستمرا في أثره الطيب إلى يوم الخلود، فما هي طبيعة أفعالنا اليومية. وكل كلمة ننحتها بروعة وحب في دروب وقلوب الآخرين تتحول إلى شعلة أمل لا تنطفئ أبداً. أين تذهب إذن كلمات الخصام والعتاب، وأين تصنف في قواميس الكون، وحين يموت عزيز عليك وانت في خصام معه، هل تستطيع أن تتصالح معه بعد ذلك؟ بالتأكيد نعم، ولكن بعد فوات الأوان، وسيكون الصلح من طرف واحد وهذا درس أعظم علينا أن نتوخى آثاره لكيلا يتكرر إن حدث.

الحب، ولا شيء غيره هو ما يجعل الوجود جميلا، والمحب الذي يخفق قلبه بالنور وترفرف في أشجار روحه طيور السعد، لا يرى غير الصفاء، ولا تعكره كلمات العناد أو تجره إلى التبرم الدائم. ولكن من يفهم طبيعة الحب؟ هل هو ذاك الذي يعاتبك كل يوم من مبدأ (العتب من المحبة). بالتأكيد هذه مقولة يفهمها كثيرون بشكل خاطئ فيمارسون عليك اللوم والتأنيب المستمر، وقد يلومك أشخاص على أفعال قمت بها قبل عشرين أو ثلاثين سنة وكأن هذا من حقهم. فهل هؤلاء يحبونك من صميم القلب حقاً؟

يدها ممدودة بصمت وقلبها يقول: أحبك

لكن ابتسامتها مخنوقة في الجوف

وعلى شفتيها كلمة عتاب

وهذا ما يؤجل الفرح طويلا..

akhozam@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا