• الخميس 02 ذي الحجة 1438هـ - 24 أغسطس 2017م
2017-08-18
كلانا كلٌ كاملٌ
2017-08-11
شمس أغسطس
2017-08-04
جِذر الرجعية
2017-07-28
عد لبيتك تنجو
2017-07-21
سرد النجوم الآفلة
2017-07-14
خندق الشر
2017-07-07
درب الكراهية
مقالات أخرى للكاتب

أحمد راشد

تاريخ النشر: الجمعة 24 فبراير 2012

محتفلاً بالحياة منذ صغره، ممتطياً موجة الانعتاق من اليأس، قرر الشاعر الفقيد العزيز أحمد راشد ثاني أن يلعب مع الموت وينتصر عليه، فراح يطعنه كل يوم بقلمه في الخاصرة كلما اقترب منه. واللعب مع الموت أصبح عادة يومية تكبر عند هذا الرجل الذي استل أسلحته كلها من العقل، وفتح عين اليقظة ليقرأ بها جماليات الحياة. محتفياً بالزرقة الممتدة من بيته القروي الأول حتى النهايات، متغزلاً في الموجة وهو يراقبها مستنداً على ظهر جبل. ولأن اليقظة كانت مسعاه، فإن الموت لم يرهبه لحظة، بل على العكس كان يستدعيه ويتقرب منه مازحاً وهازئاً به. وفي سنواته الأخيرة عندما أصبح الموت يزوره في لحظات المرض والغيبوبة المتكررة، لم يلجأ أحمد الى الانكفاء في زاوية الخوف، ولم يسمح للقلق أن يحيّده عن درب الكتابة والانشراح بها، ولم تثنه نصائح الأطباء عن الاحتفال بالحياة البسيطة جداً، بساطة الجلوس على الحافة والتحديق في البحر.

والشاعر الخبير، كان يعرف أن الموت يقترب منه بعدة طرق، ويراوغ بألف شكل، مرة في نصائح الأصدقاء له بالهدوء، لكن الهدوء في عين اليقظ، هو شكل من أشكال الموت. ومرة في نداء جسده الهزيل بالتوقف قليلاً للراحة، لكن أحمد كان يدرك أن كل لحظة يستريح فيها من الكتابة هي خيانة لروعة الحياة، ولذلك استمر ينحت ويحفر منذ الصباح حتى المساء في الورق والذاكرة والمسموع والمكتوب والمحكي والمهمل، وكان صعباً أن يمر يوم على أحمد راشد من غير أن يحتضن أوراقه ويقلبها ليعيد تدوين عظمة العيش وتذوق طعم الحياة البسيطة جداً، بساطة أن تفتح الباب وتدعو البحر للدخول الى بيتك.

عين اليقظة تلك، كانت ترصد رقصة الموت عندما كان يهبط متلوياً مثل أفعى المكر من تحت السرير في لحظات الغيبوبة ظاناً أن الشاعر النائم لا يراه، لكن احمد راشد حتى في أشد اللحظات عتمة، وهو مغطى بالأنابيب والأمصال، كان يستشعر اقتراب الموت من دون أن يرجف منه، وكان عندما يفيق بالانعاش الصناعي، يذهب الى فضح الموت وتعرية أقنعته المخيفة عند الآخرين، لكنها بالنسبة إليه مجرد اقنعة مزيفة لمنعنا من الاحتفال بالحياة البسيطة جداً، بساطة أن ترمي القفص في الماء لاصطياد الموج.

الأقلام الزرقاء التي كتب بها أحمد راشد شعره كله، كانت معبأة من حبر البحر، والكلمات التي نثرها على وجه هذا الزمن، كانت كلها من رمل الأرض، صادق النخلة وغنى ورأى ثمرها ذهباً، ولشدة التصاقه بالجذور قرر أن يذهب الى الأمهات والآباء في القرى البعيدة حيث الينابيع الأولى وسط الجبال ليستمع منهم الى الخرافات المدهشة، الى الحكايات التي ظلت تروى في ذاكرة الناس ثم ضاعت ولم يعثر عليها أحد. وكان ذلك جزءاً من هوسه بالبحث عن تفاصيل الحياة البسيطة جداً. بساطة أن تكسر غصناً يابساً وتكتب به على الرمل: هذا وطني الذي أحبه.

القصيدة التي نحتها أحمد راشد كانت تحتفي بالانتصار على الموت الفكري، الذي يجعلنا أسرى التقليد والتكرار والاجترار، ولذلك ذهب الى التجريب وإزاحة النمطية في جميع خطاباته وإبداعاته. والانتصار على الموت العاطفي الذي تتبلد فيه المشاعر فلا نعرف أن نبوح بكلمة الحب للنخلة أو للبحر. والانتصار على كل ما يعكر صفو الحياة أو يخدش جمالياتها البسيطة جداً. بساطة أن تحتضن أوراقك في لحظة صفو، ثم تقرر أن تموت وعلى شفاهك لا تزال أغنية حب.

عادل خزام | akhozam@yahoo.com

     
 

رحلت تاركاً عبير محبتك

لقد رحل أحمد راشد جسداً، لكن عبير حبّه الصادق للناس والأرض، سيبقى يفوح بين ظهرانينا.. نم قرير العين في جنتك أيها الصديق الصدوق العزيز.. أما نحن فليس أمامنا إلاَّ التسليم بحقيقة القدر، والتجمّل بالصبر والسلوان

حسان زين الدين | 2012-02-24

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا