• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

المرأة التي..

تاريخ النشر: الجمعة 06 مايو 2016

المرأة التي لمحتُ ظلالها في سكك الطفولة وأنا بعدُ غرّ، وشممتُ عطر مرورها تحت نافذتي الصغيرة. كانت هي الفتنة التي سرى سحرها عذباً في العروق. ولكن قبل أن أرى وجهها، كانت قد اختفت في لمحة خيال. وسوف يصير لزاماً علي بعد ذلك أن أفتش عنها العمر كله. في اللوحات التي أبدعها رسامون كثر ولكن لم يقترب أحد لاحتمال طيوفها. وفي القصائد المعجونة بالفراق يوم سمعتها تُنشدُ في ليالي الظن، لكنها سرعان ما صدئت، وتبخّرت من دمي أجراسُ قوافيها. ويوماً، حين ركبتُ قطار المسافة، لم تقترب خطوتي من أرضٍ إلا وشدّني الرحيل إلى بعيدها. وسوف يصيرُ لزاماً عليّ، أن أخوض في طين الهجرات بحثاً عن سرّها. وأينما وطئتُ في بحرٍ تعاكس موجهُ، أو ارتفعتُ قليلاً على جبل الاكتشاف، إلا وتناثرت حبّات مسبحتي في المنحدر. وسوف يقالُ رأيناه يفتّش في الكهوف عن السكينة، لكنني ما بحثتُ في الكتب القديمة إلا عن بدايات ارتفاعها قمراً في ليل معناي. وهذه الندوب على وجهي، وهذه التجاعيد على الدفاترِ الأولى، هي في الأصل عروق أقلامي التي تقطّر حبرها وما كتبت اسمها بعدُ. وهذه الذكريات التي أجرّها خلفي مثل جبالٍ من القش، أظنّها ستزهرُ يوماً حين تلمسني بيدها، ويوم تسيلُ عليّ من غيم حنانها قطرة الخلود.

أناديها: هبّي من باب الطفولة كي تتحرر الأحلام. أو تعالي من لحظة الخلق وسيّري دهري. ها أنا واقفٌ تحت الجدار وفي عيني أفقٌ من الحراس، وفوق أمنيتي سدٌّ وتحت أقدامي مسامير الحذر. مشيتُ في النقطة واهماً بالوصول وضرّني دورانها. ومر العمرُ، ولم انتبه لتوقف الساعات على خط البداية. والصخرةُ التي ظننتها وسادتي تفتتت. والرملُ، حين لممته لأبني قصر الخرافة، تناثر في مطلع الريح واستوى على مرأى الحاسدين زبدا.

المرأةُ التي جمعتُ القواميس لأكتب اسمها. المرأةُ التي انشقّ ضوء الكلام نصفين حين رميتُ على اللغات وصفاً يقاربُ وصفها. أظنها طلّت من بزوغ الملاك، وحين صفقتُ للفجر كي ألمس رذاذ اقترابها، قالت لي الحقيقة: ابتعد أيها النائي ولُذ بسؤالك من سؤالك. ذلك لأن الوصف، حتى لو نقشتَ نوافيره بماء المعجزات، لا يطالُ ما يتساقط من ذُراها. وبعد سعيك، اذهب لنأيك، وادفن في الورق ما تبقى من جرحِ فحواك.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا