• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-09
شاعر المنفى
2016-12-02
الابتكار في الثقافة
2016-11-25
ضوء الثقافة
2016-11-18
وطن التّسامح
2016-11-11
تداعيات
2016-11-04
لسان الحياة
2016-10-28
دمعة النار
مقالات أخرى للكاتب

عد للطفولة

تاريخ النشر: الجمعة 23 أكتوبر 2015

ستكون حراً، حين تفتح ذراعيكَ للنسمة البيضاء، وتغسل بها أفكاركَ الموحشة. اذهب للطفولة أولاً، واكنس من ترابها كلمات الخوف التي علقت في ثيابك وفي اندفاعك، حتى صرت بها ثقيلاً في المبادرة، كسولاً في سباق العشق، مرتخياً عند اشتعال العرس. وفي تلك الطفولة، سترى أن العصا التي ارتفعت مثل سكينٍ في المحاذير، هي التي قطعت فيكَ وريد الشغف، وهي التي جرحت أمنياتك أينما حللت، حتى تبلّد الخيالُ في عينيك، وانسدّ أفق اهتمامكَ بالانعتاق. وأصدقاء الطفولة، أولئك الذين تركوا نُدوبهم وضحكاتهم عالقةً ما تزالُ في لبّ روحك، عد إليهم واحداً واحداً، وافرك صورهم بالنور حتى تبيضّ وجوههم من جديد. ثم ارتحل معهم حافياً في سكك لا تنتهي تفرعاتها، واجلس معهم على البحر الذي حامت نوارسه فوق رؤوسكم حتى غرقت أجسادكم في نعومة السواحل البكر. وبللتكم زرقة الأفق البعيد.

ستكون حراً من جديد، عندما تذهب إلى الكتب التي لقنتك الخوف ودجّنتك جباناً، تحتمي بانحنائك، وتسكن في الزوايا مغطى بالظلال والصمت. في كل صفحة من تلك الكتب، امحُ سطراً إن رمتَ، واكتب نشيدك بفمٍ يقبّل وجه الحياة، وبقلمٍ تحمله يدٌ لا تعرف الارتجاف. اكشط عناوين الرخاوة، وارفع مكانها لحناً يظل مرتفعاً في جرس الكرنفال. أنت سيد معناك، وما تخطه على ورق الأيام يصيرُ ذاكرة لقلبك. وما تمحوه، يُصبح أرضاً جديدة لخطوات مجدك. ابدأ بنفسك سيقال لك، خذ غصناً يابساً واكتب على الرمل خطوط ضعفك، ثم انثر الماء مطراً فوقها، وابذر تحتها حبّات حُب. وسترى أن شوك الشك يزهرُ من جديد، وتتفتح أمامك عين اليقين، وستدرك أن الحياة ما هي إلا دائرة لا ينجو من طوفانها إلا من مشى مستقيما في طريق تتلوى كل حين.

بابان للدنيا، يا من أتيت لتذهب، قف هنا الآن وافتح يديك لتحضن الوردة قبل ذبولها. غير مكترثٍ إلا لما تحياهُ في لحظةٍ هي الزمن كله. وإذا جرّك الماضي يغوص بك في طين الندم، أو إذا ناداك المستقبل لتجلس في قصوره ملكاً. فإنك مقسوم إلى جهتين كلتاهما محض فراغ، يشقّك شقاء ما لم يأتِ بعدُ، ويكظّ انتباهك ما فات. وما من فكاك لروحك إلا أن تحلق الآن، بجناحين هما قلبك وعقلك، لتعود حراً في سماءٍ لا تُحدّ.

عادل خزام

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا