• الاثنين 12 رمضان 1439هـ - 28 مايو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

الشِعر .. العِبارة اللانهائية

تاريخ النشر: السبت 25 فبراير 2012

على شاطئ بحر أبوظبي، كنت أستكمل قراءة كتاب “قوة الشعر”، للشاعر والناقد الإنجليزي”جايمس فنتن”، نظر صديق إلى العنوان قائلاً: أما يزال هناك شيء اسمه “شِعر”، ألن ينتهي أو يتطور إلى أي تصور آخر غيره، فقلت: لا، إنما سيخضع دائماً إلى استطرادات شكلية، طبقاً لوظيفته التوليدية للغة. فَرَد مُصّراً: بل سينتهي هو وغيره، وهذه هي عادة هذا الصديق تجاه أي شيء، فهو مؤمن إيماناً مُطْلقاً –ومن خلال أزمنة سحيقة قادمة- بأن تحولات الموجودات في الكون آيلة لا محالة إلى تغير في الشكل والوظيفة، بما فيها تحول مغزى وصيغ الوجود الإنساني نفسه، مما يعني أن ما سيُنتج مع الوقت سيكون هو الآخر إلى مآل زائل، وستظهر أحوال وموجودات جديدة كلياً، وهكذا لن تنتهي هذه السلسلة.

ومع الإعجاب بهذه الفكرة، بالنظر إلى الأزمنة السحيقة في القدِم، ومن خلال اكتشافات الهياكل العظمية للديناصورات، ليس علينا إلا أن نُسَّلِم بها، تاركين الأمر للمستقبل، إذ إن تاريخ الأرض قديماً أكبر من تاريخنا الحديث الذي لا يتعدى عشرين ألف سنة، رجوعاً إلى شواهد الحضارات الحديثة من معابد وخلافه.

لكنني حاولت تفسير طبيعة اللغة مُرتبطةً بالشِعر، فحتى لو تغيرت لغتنا المتعارف عليها، وتم إنتاج لغة بمواصفات نُطْقٍ آخر، أو حتى تحولها لوَضعٍ إشاري، أو صامت، مُعتمدةً الاتصال عن طريق المخ بمجرد النظر، أو بَث الأفكار من خلال قنوات فائقة القدرة على الإيصال. فإن الِشعر سيظل وسيلة تعبيرية لا غنى عنها.

فنظراً لطبيعة تكوين المادة في الوجود من حولنا، مهما اختلفت تحولاتها ظاهراً ومضموناً، يكون الشِعر حاجة مُلحة للتعايش مع الرغبة التوليدية لـ “إبدال حاجة بإزاحة حاجة أخرى”، فهذا القانون هو أحد أهم المُدركات اللغوية لشعرية اللغة، والتي يعمل عليها الشعر، كما تعمل عليها الموسيقى، وذلك لخلق حقول وظيفية جديدة للمفردة لفظاً ودلالة، وتكوين صور على أساسٍ مانحٍ للتمتع والتلذذ بها، وبجسدنا وروحنا، بل وبميتافيزيقيتنا الخالدة في مجرات الكون اللانهائية.

إن ارتباط اللغة بالشعر كعامل لا نهائي من التوليدات وتجدد المفاهيم، بل واختلاقها واختراعها للحظات شعورية مختلفة، نظراً لقاعدة آخري رئيسة للغة الشعرية، - ألا وهي السلاسل المتواترة وغير النهائية من صراع الباطن مع الظاهر – يُعد في حد ذاته “شِعر الشِعر”، فما البال بالقصيدة على تنوعاتها الأسلوبية، وما البال بـ “الشِعرية” كمطمح للسرد، وللتعبير عن النفس، ومحاولة إيصال ذواتنا إلى الالتذاذ بمنتهاها مع كل مواجهة، وأي آخر مهما كانت طبيعته.

إن جملة قصيرة مثل: “القمر في السماء”، لها إيقاعها الهادئ، وجملة طويلة كالتي ستأتي لها إيقاعها اللاهث، كالفَرق بين المشي والجري. ولنرَ الجملة الطويلة الممتدة: “القمر في السماء ليلاً وصباحاً يراه بعضنا فاختلاف الأماكن يُعَدِّد في الزوايا والاتجاهات وهذا ما يسمح بفهم الحياة على أنها أكبر من مجرد ميلاد وموت لأننا بغريزةٍ أو بوعي ندرك أن الفارق بين شيئين هو نوع من التمعن في روح الندرة وعليه .......”، وهكذا يمكن لجملة واحدة أن تستمر بلا علامات ترقيم ولا توقف...

eachpattern@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا