• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
2016-12-01
سيمفونية الإمارات
2016-10-20
الفوضى الخلاقة.. موت الأخلاق
2016-10-06
«الحق في النسيان»
2016-09-22
حسن شريف
2016-09-01
المدرسة والفن
2016-08-18
جاسم.. الحياة
2016-08-04
خارج النمط
مقالات أخرى للكاتب

المعلم

تاريخ النشر: الخميس 24 أبريل 2014

«لقد علمنا أن نرى العالم بشكل مختلف» هكذا علقت امرأة كولمبية في الأربعين من العمر والدموع تبلل خديها على رحيل جابريل جارسيا ماركيز، حيث فقد العالم الخميس الماضي أحد أكثر الكتاب عمقاً وسحراً وجمالاً وفتنةً وشغفاً.. فقد كاتباً فتح العيون على الدهشة واصطحب الخيال ليجول منعتقاً من كل ما هو عادي وتقليدي، من كل ما يمكن أن يكبل الرغبة في التحليق عالياً والطيران قرب الغيم، أو التجول في الغابات والإبحار في كل المحيطات والغوص عميقاً في تفاصيل الحكايات والقصص، وتحويل الغبار الذي اكتنفها عبر السنين إلى غبار من ذهب، وتلميع الحكاية لتبرق كأشعة الشمس على الزجاج. كاتب غير معنى الكلام وجعله مختلفاً آسراً، والمواقف لم تعد عادية يمكن توقعها.

اعتنى ماركيز كثيراً بحياة الناس وبحياته، كتب كلومبيا، أسطر «أركاتاكا» المعزولة، أخرجها من «مائة عام من العزلة»، ووضعها على سطح الحياة أمام عيون الملايين من سكان العالم، كأنها كوكب جديد بزغ في الفضاء الشاسع، بلدة استحقت كل المجد، لأن ماركيز ابنها الوفي الذي عرف كيف يحدق فيها، وكيف يلمسها في العمق، وكيف سكنت هي كأصابع البيانو بين يديه، ليعزف لحنها الشجي الذي أسر القارات.

بالحب والخوف والقوة والحرب والجنون والفرح، مجد ماركيز بلدته وألبسها سحر الحياة وغاب عنها ولم يعد حتى وهو ميت، لم يعد، بل لم يرد أن يبقى مطلقاً في قاع الأرض ممدداً في تابوت، لم تغويه برودة الموت، وقرر أن يُحرق، كي يتلاشى الجسد ولا يبقى منه غير الرماد، هكذا أراد ماركيز أن تكون النهاية، نهاية الجسد ونهاية الخيال الذي جعل الفتاة التي ذهبت لتنشر الغسيل أن تطير.. والحب الذي يأتي في عمر متقدمة لذيذ وفاتن كما هو في عمر الشباب، كان حباً صافياً ومتوقداً، حباً مليئاً بتفاصيل الشوق واللهفة، بالتردد والإقبال، بالوله العالي، بالنبضات المتسارعة، بالرعشة، وتوق الجسد في القرب.. والحياة التي أخرجها من بيتها وجعلها جديرة بأن تعاش بكل رحابة وسعة صدر، بكل إصرار أن اللحظة أثمن من الألماس.

غادرنا ماركيز جسداً، وبقي معنا روحاً وفكراً وخيالاً وأدباً، بقي كأسلوب كتابة وأسلوب حياة وعيش، رحل تاركاً في جعبة البشرية أرثاً غنياً، لن يسقطه الزمن من مكتبة الأجيال.

فأثر ماركيز في انتشار أدبه ليقرأ بكل الألسن على وجه الأرض، مستمر حيث كَتب الواقع بشكل مختلف، وأسهمت طبيعة الحياة، وثقافتها في أميركا اللاتينية، إضافة إلى قدرته الهائلة في الغوص داخل التفاصيل، وخاصة المهمل منها، في أن يلقى عمله الروائي القبول في كل أصقاع الأرض.

عمراً مديداً قضاه ماركيز متكئاً على أن الحياة يجب أن تعاش كما يريدها صاحبها، حيث يقول «أعتقد وبجدية شديدة، أن فعل الإنسان لما يريد دائماً، هو الطريقة المثلى لحياة طويلة وسعيدة».. حياة رائعة كانت يا «جابو».

وحياة انتهت، فوداعاً ماركيز وداعاً أيها المعلم «جابو».

saad.alhabshi@admedia.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا