• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-01
سيمفونية الإمارات
2016-10-20
الفوضى الخلاقة.. موت الأخلاق
2016-10-06
«الحق في النسيان»
2016-09-22
حسن شريف
2016-09-01
المدرسة والفن
2016-08-18
جاسم.. الحياة
2016-08-04
خارج النمط
مقالات أخرى للكاتب

لكمة في وجه القبح

تاريخ النشر: الخميس 21 يوليو 2016

في بداية السبعينيات، حيث كانت مباريات محمد علي كلاي تنقل فجراً عبر التلفاز، كنا نتحلق في البيت أمام الشاشة، برفقة الجدة التي كانت تهلل وتكبر وتدعو لمحمد علي بالنصر مرددة: «الله ينصرك».

كانت الجدة تكمل متابعة جولات علي، فيما نحن كنا نقطع متابعة المباراة لنذهب إلى المدرسة، وما إن تطأ أقدامنا عتبة باب البيت عائدين منها حتى نهرع إلى الجدة كي نعرف منها نتيجة المباراة، حيث دائماً ما تنبأنا بأنها لصالح محمد علي، فنتقافز أنا وأخي الأكبر ونعانقها فرحاً بذلك الفوز.

بخلاف إسلام محمد علي كلاي الذي كان سبباً رئيساً في مؤازرة جدتي له وكل العالم الإسلامي في ذلك الوقت، كان علي بالنسبة لنا نحن الصغار الذين لم نكن نفقه كثيراً في مسألة الإسلام، أو أن علي كان مسلماً أو لم يكن بطلاً خارقاً، أذهلنا وهو يدور في الحلبة بخطواته الواثقة مسدداً اللكمات أو ملوحاً بقبضته.

ومع العمر الذي أخذنا إلى مناطق الوعي، أدركنا سحر وإلهام محمد علي، وكيف يتغير التاريخ وكيف يتغير المصير، من تلك السيرة العظيمة لرجل أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه رجل عظيم بحق. ربما لم تكن تلك الرياضة (الملاكمة) سوى قتال وحشي، لو لم يخض غمارها محمد علي، الذي أصبغ عليها المعنى العميق لما يسمى بالفن النبيل، فكان علي نبيلاً على الحلبة ونبيلاً خارجها، ليحقق شرط أن تكون رياضياً كبيراً.

بالعودة إلى سيرة علي نلاحظ كيف اشتد عوده في الحلبة، فيما كسرت روحه خارجها نظراً لقبح العنصرية التي سادت المجتمع الأميركي، العنصرية التي عششت وما زالت تعشش في عقول الجهلة والوضيعين، إلا أن علي استمر في القتال، وأحرز ذهبية الأولمبياد، حاز بطولة العالم، غير دينه حين وجد السكينة في الإسلام، وعندما نودي للقتال بعيداً عن حدود الوطن، رفض الذهاب إلى فيتنام، ليسجل بذلك موقفاً أخلاقياً أسطورياً تجاه الحرب، في تلك الفترة العارمة من النزاع والصراع العالمي، رفض الذهاب بعيداً كي يقتل الأبرياء كما قال، وبقي مخلصاً لموقفه الذي جرده من بطولة العالم، حتى إن عاد له حقه وعاد إلى الحلبة ليسجل بطولات وانتصارات تبقيه رمزاً استثنائياً في عالم الملاكمة، كما انغمس علي، كثيراً في الحياة الاجتماعية، كان قريباً من الأطفال ومن المحتاجين من الفقراء والبائسين، وزع من ثروته ومن مواقفه الصلبة محبة للإنسانية، حتى وهو في وضع عدم القدرة على السير ورعشة الباركنسون التي استولت على الكثير من قوته. وجعلت قبضته التي كانت تلسع كنحلة لا تصيب إلا الهواء ولا تسقطه، علي البطل الخارق، سدد بكل ذلك لكمة في وجه القبح واعتلى كل القلوب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا