• السبت 10 رمضان 1439هـ - 26 مايو 2018م
2018-05-13
اكتشافات لونية
2018-05-06
ملهمون حقيقيون
2018-04-22
فوضى الصفيح
2018-04-08
متتالية العنف!
2018-04-01
شرك الفعل الثقافي!
2018-03-25
ماذا يريد الإنسان؟
2018-03-18
حرب الكلب.. الثانية
مقالات أخرى للكاتب

زيف «الكمال»

تاريخ النشر: الأحد 10 ديسمبر 2017

عندما أنهيت ورقة العمل التي قدمتها لأول مرة في حياتي وعبر منصة رسمية في «منتدى الاتحاد»، وذلك منذ عقد تقريباً، كنت في غاية الضيق والانزعاج، لم أكن راضية عن أدائي إطلاقاً، ولم يسعفني الوقت لأطرح كل ما اشتغلت عليه على مدى ثلاثة أشهر؛ ولذا أخفيت وجهي خجلاً عندما شكرني السيد «راشد العريمي» على جهدي - فقد كان رئيس المنتدى ومؤسسه، وهو من رشحني لتقديم الورقة- غير أنه رد على تصرفي بالقول: «تعانين مشكلة أولئك الذين يريدون كل شيء كاملاً»! الحقيقة أنني لم ألتفت كثيراً لهذه المقولة وقتها فلا يمكن أن يكون البحث عن الكمال مشكلة، ولذا انغمست تماماً في حزني وتفكيري فيما كان ينقصني ليكون أدائي أفضل!

بقيَّ ذلك حالي، فأصبحت كثيرة الاعتذار عن المشاركات العامة؛ لقد توقفت.. لأني فعلًا كنت أعاني مشكلة «أولئك الذين يريدون كل شيء كاملًا». هي فعلاً مشكلة، ولذا فإن كمال الأشياء «زيف» أدركته مبكراً ثقافات قديمة وتعاملت معه بوعي عالٍ، فحولته إلى «فن». «وابي سابي» أحد الفنون اليابانية القديمة، يحتفي من ضمن ما يحتفي بالأشياء غير الكاملة؛ وذلك على قاعدة مفادها أن لا شيء يصل للكمال، وأن اختلافاتنا التي تستند إلى مفاهيمنا وأذواقنا وثقافاتنا حول ما يُكمل الأشياء، لهي الدليل الأكبر على عدم وجود الكامل؛ فما يراه البعض قبيحاً قد يراه آخرون قمة في الجمال.

يتعلم محبو فن «وابي سابي» التصالح مع نواقصهم مما يجعلهم يستمتعون باللحظة، من دون الشعور بذنب التقصير. وقد مُثل ذلك في طلاء الشروخ في بعض الأواني القديمة بالذهب! صحيح أنه في الوقت الذي نقوم فيه بعملية الإنتاج لا بد، بل ويجب أن يكون هدفنا واضحاً كاملًا، فنجتهد بكل عزم لتحقيقه بالشكل الكامل -وهذا ما علينا بالفعل أن نركز عليه-، غير أن ما يلحق تلك العملية من شوائب في المنتج أو من عدم رضا الآخرين عما أنتجناه هو ما علينا التعامل معه بكل مرونة وهدوء بل وباحتفاء.

بالتأكيد لا يتقن أيا كان هذا الفن، وأنا منهم بكل صراحة، غير أن إدراكي بأن توقعاتي المستمرة بكمال الأمور هي توقعات غير منطقية أبداً، وأن الإصرار في الحصول على النتائج الكاملة أمر محبط ويدعو للتوتر لي ولمن حولي، إنه أمر يفقدنا فرص الاستمتاع بما بذل من جهد لنجاح الأشياء. حتى في العلاقات الإنسانية عندما نصر على أن تكون مثالية فإننا نضيع تفاصيل كثيرة جميلة كان من الممكن أن تعوضنا وجود النواقص. الكمال زيف يصنعه البشر الذين خلقوا ليكونوا ناقصين ومختلفين في كل شيء.. حتى في الاتفاق على الكمال.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا