• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
2016-12-04
استثناء «القاعدة»
2016-11-27
المتعة.. أولاً!
2016-11-20
أيهما؟.. الحب أم الاحترام
2016-11-13
كيف يبدو الحب!
2016-11-06
تاج القوانين
2016-10-30
سياحة الصورة!
2016-10-16
بداية العُمر!
مقالات أخرى للكاتب

وطن افتراضي!

تاريخ النشر: الأحد 30 مارس 2014

علاقات افتراضية وعمل افتراضي ومزرعة افتراضية.. ومنزل افتراضي، هذا ما صنعه لي ابن أختي عبر برنامج أنزله من الإنترنت، وجعلني أختار ألوان الجدران ونوعية الأرضية.. ومازال يبحث عن برنامج آخر ليؤثثه. نقلنا الكثير من أشيائنا إلى العالم الافتراضي، ليس هذا وحسب، بل نقلنا مشاعرنا أيضا هناك، فأخذنا في التفاعل مع الأمر وكأنه حقيقة واقعة على الأرض؛ بعضها يمكن أن يضحكنا ملء الفم وبعضها قد يبكينا حد الدموع. والحقيقة إنني لا أستنكر الأمر ولكني أتوقف أمامه بتعجب قد يستنكره عليّ أبناء هذا الجيل.

إنها فورة في «أحلام اليقظة» تلك الحالة التي يهرب إليها بعضنا عندما يرغب في التحليق بعيداً عن واقعه، فيبني لنفسه عالماً خاصاً يعيشه يتناسب مع ما يريده ومن يريده، ولكنها فورة إلكترونية، يذهب إليها البعض لبناء عالمه الخاص فيتفاعل مع تفاصيله بسعادة وشغف. المخيف في رأيي أن اللجوء لهذا العالم قد يجعل أصحابه مكتفين به، فتخبو أي رغبة حقيقية لديهم لتغيير واقعهم للأفضل، لأنهم يجدون هذا الأفضل عبر أحلامهم التي نفذوها افتراضياً عبر الأراضي والمزارع والبيوت ومواقع العمل ومكان اللعب والترفيه.

المحزن فعلاً والذي يستحق التوقف حقاً هو «المقبرة الافتراضية» تلك المقبرة التي أنشأها إسكندر، الشاب العراقي الذي يعيش في باريس ولا يعرف عن وطنه إلا أقرباؤه الذين يسمع عن موتهم بين الحين والآخر، لأن مأساة الوطن فرقت بهم بين الشرق والغرب والشمال والجنوب فتقطعت أوصال الأسرة الصغيرة، وأصبح حلمهم الوحيد أن تجمعهم قبور متجاورة. هذا ما عرضته الكاتبة إنعام كجه جي، عندما شتتت شخوص روايتها «طشاري» بين عكا.. ومكة. هكذا كانت تصف أم وردية ـ بطلة الرواية المرشحة لجائزة البوكر العربية ـ حال من تجول كثيرا بين بقاع العالم؛ وهكذا فعلت بنا أنعام كجه جي فطافت بنا بين عكا ومكة ولم تبعدنا شبراً عن ألم العراق ولوعة أهله عبر قصة وردية الطبيبة الملاصة التي تسحب الأجنة إلى الحياة.. حكت لنا أنعام فسحبت أرواحنا من الحياة في مواجهة طشارى ـ تفرّق ـ ابناؤها بين هاييتي وتورينتو ودبي.

على مدى سيرة اجتماعية وسجل عائلي، نتتبع على صفحات رواية «مؤلمة» أفرع شجرة طافت العالم بعيدا عن الجذر، وهناك حيث تشتت الأبناء والإخوان وأبناء الإخوان قلبتنا إنعام كجه جي بين برودة الوحدة وقهر الغربة. وعندما يصبح الحديث عن العودة للوطن.. مزحة مرة.. عند هندة وياسمين وأم اسكندر وعيال يونس وكمالة، عن وطن لا شيء يجري فيه بالمفردة الا الولادة.. يولد العراقيون فرادى ويموتون جماعات.

المقبرة الافتراضية حيث يصبح تجميع رفات الأقرباء والأهل في بقعة واحدة حلماً لا يتحقق، فيتعلق المشتتون في مكان افتراضي وهمي. في الرواية تتجلى المفارقة الكبرى بين الحياة والموت في حال وردية طبيبة النساء ومستقبلة الأجنة، واسكندر صاحب المقبرة الافتراضية ومخترع حفلات التأبين بأصوات وألحان مستوردة الكترونياً من مآثر الفن العراقي.

هكذا كان الألم في «طشاري» بين لوعة الغربة ووحدة المنفى وهاجس المستقبل وحاجة الضعيف والشوق للقريب، ألم تطور وأصبح همه الوحيد أن يكون رفات موتاهم قريبا، ألم يحاول البعض الالتفاف عليه الكترونيا عبر «المقبرة الافتراضية».. ألم يصيبني بالرعب، من أن تتحول أحلام هؤلاء الى بناء وطن افتراضي بعدما أصبح الواقع لا يوحي بأي بادرة لواقع أفضل؛ «وطن افتراضي».. لن يكون حلم يقظة، بل كابوساً.. فهل يستيقظ أهله ليغيروا واقعهم!

‏Als.almenhaly@admedia.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا