• السبت 08 جمادى الآخرة 1439هـ - 24 فبراير 2018م
2018-02-18
للفساد.. ثقافته أيضاً
2018-02-11
عبء الأفكار
2018-02-04
كل كِتاب.. مكتبة
2018-01-28
فردوس اللغة
2018-01-21
بيئات فارقة
مقالات أخرى للكاتب

بعضا من دموعي

تاريخ النشر: الأحد 10 فبراير 2013

على الرغم من كثرة العناوين والأفكار والمشاعر التي تجول كل ساعة في مساحات يومي بلا إذن أو طلب، تبقى الحروف عصية أمامي في ترجمة استباحة هذه الأفكار، فأجدني عاجزة عن لمها ونسجها؛ وبدلالها تنفرط مني، أطلبها تطفئ نار أفكاري، فتتركني رمادا مشتعلا. أخاف من مجرد التفكير بأنها تريد توديعي كما بدأت تفعل الكثير من الأشياء معي منذ زمن قريب، كتلك الرغبة في القفز والضحك، والشره غير الطبيعي لفتح أي موضوع مع الآخرين، حتى مع من لا أعرفهم، أشياء تأخذ نفسها بعيدا رغما عني، هل تفعل الحروف ذات الفعل؟! ولكن إن قررت الحروف هذا يوما، كيف لي إقناعها ألا معنى لانتصارها بهزيمتي؟!

عندما تمر الساعات دون تلك الدهشة اللذيذة التي اعتدت على صيدها بحروفي المنتقاة، أتأكد أن هناك ما يودعني؛ هل أفقد الدهشة أم التعبير عن تلك الدهشة؟! تبدو محاولاتي ضعيفة في اكتشاف الجديد والمدهش، وكأن علاقتي مع الحياة قد بدأت تفقد عذريتها، تتراجع رغما عني طاقتي في التجاوب مع الأشياء، وكأني جربت كل المذاقات وكل الروائح وكل الألوان! أبحث فيما يكتبه الآخرون عن لون أو طعم أو رائحة أو صوت لم أجربه، وتبقى القراءة وحدها الملجأ الوحيد المتبقي لإثارة اللذة المتخيلة في دهشة الآخرين؛ في طريقي هذا أبدو كمن يبحث عن ما يلهب عروقي ويدفعها للضخ، لتأتي الشهقة التي لها لذة تشبه نظرة أم لوليدها ساعة خروجه للحياة؛ أريد أن أعيش هذه النظرة كل يوم، كطفلة لا أمل في نضجها، مهما غزا الشعر الأبيض رأسها.

◆◆◆

على حافة الرصيف حيث النسيان يتأرجح وكله شغف لرفيق يشاركه حلم أبى أن ينام، تغدو الذاكرة بلا لون، فغابت فيها كل ملامحهما، حتى آثار خطواتهما القديمة لم يعد لها مكان، كل شيء تم دفنه بإتقان محكم، ومنع الجميع الاقتراب منه حتى نسي التراب ما فيه، فلا مكان لشيء يمكن أن يتسرب، لتبقى الذاكرة حصينة حد النسيان؛ ويبقى النسيان حاضرا حد الذاكرة. ورغم كل النسيان يبقى حضورك لا يشبه أي حضور؛ إنه يشبه المطر حين يهطل، تتغنى به السماء والعشب ويحتفي به الأطفال، فيما يظل العشاق يتطلعون لغيمة تشبه حزنه، خاصة وأن الحزن طقس أبدي لا يكتمل العشق إلا به؛ عندما تأتي، سأنتظرك هناك، لأدغدغ أطرافي برذاذ حضورك، وأحتفي بك بطريقة من صنعي، أخلط فيها انتعاش العشب وضحكات الأطفال وأغاني السماء.. وبعضا من دموعي. يسألونني عنك.. يخبرونني أن غيابك قد طال، وأنهم يتلهفون على أخبارك معي. أخبرتهم أني أودعتك كهفاً تملأه أضواء دافئة لتظل متألقاً حتى آتيك، لكي تظل بعيداً عما أقترفه في غيابك من خيانة مستمرة مع الشتاء. أعلم أنك كنت على يقين بأني لن أفي بكل وعودي التي ألقيتها أمامك في الصيف، تعرف تماماً سطوة هذا الفصل عليّ، وقدرته المستمرة في سحبي بعيداً عنك؛ ولكن لا تقلق.. فغريمك الشتاء لا يطيل البقاء.

als.almenhaly@admedia.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا