• الجمعة 26 ذي القعدة 1438هـ - 18 أغسطس 2017م
مقالات أخرى للكاتب

على متن الطائرة الورقية

تاريخ النشر: الأربعاء 07 مارس 2012

ودعت الفتاتان المنحدرتان من سكان أستراليا الأصليين، وشكرتهما على ما قدمتاه لي من معرفة وافترقت عنهما، فأمامي سفر طويل، محطتي التالية هي "بريسبن" التي كانت في الماضي مجرد نقطة عبور جنوباً نحو سيدني حيث يذهب السياح للوقوف على الحاجز المرجاني العظيم، أو إلى الساحل الذهبي "الجولدن كوست" شمالاً، حيث الدفء والشمس ومياه المحيط الهادئ.

كانت رحلتي بالطائرة حافلة بالأحداث، فقد تأرجحت الطائرة بعنف بفعل المطبات الجوية قبل دخولها في عاصفة قوية لدرجة أيقنا فيها أن الطائرة واقعة بنا لا محالة، وهو ما جعل أحد المسافرين يصاب بنوبة قلبية حادة مما زاد من غرابة الرحلة خصوصاً أن المصاب تمدد بجواري، وكان علي أن أقوم بدور ما لإنقاذه إلى أن اكتشفنا وجود طبيب على الرحلة كان مشغولاً بالنجاة بنفسه من أهوال تأرجح الطائرة العنيف.

كان الأمر أشبه بوضعنا في لعبة بهلوانية، أو في طائرة ورقية تتقاذفها الرياح، وساد الهرج والمرج والصراخ والعويل والفوضى، لكن الأمور لم تفلت تماماً من السيطرة والقبطان يحاول تهدئة المسافرين الذين أصيبوا بهلع أثر على قواهم العقلية.

لا أنكر أن المخاوف دهمتني، وأفكار المجد الصحفي تتسارع في رأسي، وتحمست لكتابة قصة تحطم الطائرة، وتعوذت من الشيطان والفأل السيئ، وحاولت طرد كل تلك الأفكار السخيفة الساذجة. عندما هبطت الطائرة بسلام في مطار بريسبن، صفق المسافرون، ووقفت كالمنتصر، كمن قام بدور رئيس في الوصول إلى بر الأمان.

وربما أردت الاحتفال بالنجاة، فقمت بجولة استكشافية للمدينة، تجولت بين مقاهيها المتزاحمة، ومحالها الأنيقة، ومعارضها الفنية المتعددة، وتناولت الطعام في مقهى لبناني، وكان الطعام مقلداً فليس له نكهة الطعام العربي على الإطلاق. سرت بجوار نهر بريسبن الذي يشق طريقه حتى خليج مورتون مروراً بمخازن الصوف التي تحولت إلى شقق فاخرة، ومنازل تاريخية مقامة على أعمدة، وتحولت محطة طاقة سابقة على طرف الخليج إلى مركز فني، ويعد معرض الفن الحديث أحدث مناطق الجذب السياحية على آخر زاوية للنهر في ستانلي بلاس في حدائق ساوث بانك، أو الضفة الجنوبية، ثم هناك المتاحف التي تسرد عليك مجريات التاريخ، وكيف كانت هذه المدينة مقراً لقوات الحلفاء في المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية، وكيف كان ذلك سبباً للاعتقاد بأن هذه المدينة الهادئة ستشهد تغييراً كبيراً بعد الحرب ولذلك عبر إليها ملايين الأميركيين ولم يحدث ما توقعه الجميع وبدلاً من ذلك أغلق وسط المدينة تقريباً بعد انخفاض عدد السكان الذين انتقلوا للحياة في الضواحي.

rahaluae@gmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا