• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م
مقالات أخرى للكاتب

بين الجبال الزرقاء

تاريخ النشر: الأربعاء 29 فبراير 2012

استقبلتني الفتاتان اللتان تنتميان إلى سكان أستراليا الأصليين بترحاب، كانتا لطيفتين فعلاً، وشعرت بأنني أعرفهما منذ زمن بعيد، فلم يكن هناك تكلف في الحديث أو في التعامل، لدرجة أنهما تأبطتا ذراعي، وهما يقودانني إلى سيارتهما لننطلق في رحلة عبر أستراليا، وفي الطريق تحدثنا عن صديقنا المشترك "سايمون" الذي كنا نتشارك أنا وهو خيمة واحدة في معسكر القوات البريطانية في البصرة، وقد تبادلت معه الأماكن فهو لا يزال يجوب العالم في تلك المنطقة العربية المضطربة، وأنا جئت إلى أطراف العالم بحثاً عن المعرفة والحب والذات.

قالت إحداهما إن هناك الكثير لأتعلمه عن شعبهما، خصوصا بعد أن تغيرت الأحوال منذ أن هجروا كهوفهم وتلالهم قسراً للالتحاق بالمدنية، وقد هجرت الأجيال الجديدة معتقداتها واعتنقت بدلا عنها المسيحية غير أنها تمسكت بعاداتها وبصلواتها؛ فدينها الجديد يبقى مجرد شكليات لكن العادات والتقاليد والطقوس تبقى جزءا من العائلة، ومن تاريخ الشعب الطويل، بل إن الدولة استغلت ثقافة هذه الأجيال لتصبح جزءاً من الترويج السياحي.

أمامنا طريق طويل، أولا إلى الجبال الزرقاء، حيث سنرى الطبيعة والحيوانات التي يعتقد هؤلاء أنهم جاؤوا من نسلها، وهو ما تحمست لأراه، فذلك أمر غريب غير أن إحدى الفتاتين ضحكت، وقالت إن ذلك مجرد أسطورة، فلم تعد تلك المخلوقات موجودة الآن، فهي جاءت من عوالم أخرى، وتركت هؤلاء البشر الذين كانوا في أحلامهم هنا، أو لعلها تناسخت على شكل بشري، وذلك اعتقاد غريب منحرف، وأخفيت ابتسامتي الساخرة من سخافة المعتقد، لأنهم أحرار فيما يعتقدون، غير أنني سألت الفتاة إن كانت تصدق ذلك، فضحكت وهي تقول إنها مجرد خرافات.

وفي أحد الكهوف توجد رسوم تعود إلى آلاف السنين، ربما إلى خمسين ألف سنة، وهي تعتبر الأقدم على وجه الأرض، وتلك الرسومات تروي قصة أجدادهم، ومعتقداتهم عن كيفية بدء الكون ونشأة الإنسان، وقالت الفتاة إنه لا توجد حضارة في العالم تشبه إرثهم، لأنهم ظلوا معزولين تماماً، ولم يدخلوا فيما عرف بتمازج الحضارات، ولأنهم يستمدون معرفتهم ومعتقداتهم من الأرض والطبيعة، كما يعتقدون أن خلف تلك الجبال تكمن أرض الأجداد، حيث يتزاوجون ويوزعون الأرزاق، وأن الكائنات الحية قد انفصلت عن مصدر حياتها، وأنها كانت جميعاً على شكل سمكة أو دولفين على وجه التحديد أو كنغارو، كما أن هناك كائناً خرافياً أسطورياً مقدساً يسمى "الأنجروندري"، وينحدر من فمه نهر "موراي" الذي يشق القارة الأسترالية، ولذلك هو نهر مقدس أيضاً، وببركاته تشكلت كل البحيرات والأنهار الموجودة في أستراليا.

[email protected]

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا