• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

ما للمليحة لا تعود

تاريخ النشر: الأحد 06 أبريل 2014

روى الأصمعيّ أن أبا عمرو بن العلاء قال: حدثني رجل من بني تميم قال: خرجت في طلب ضالة لي. فبينا أنا أدور في أرض بني عُذرة أنشد ضالتي، إذا بيت معتزل عن البيوت، وإذا في كسر البيت شابٌ مغمى عليه، فلو نزلت إليه فوعظته!

قال: فنزلت إليه فلم أدع شيئاً من الموعظة إلا وعظته به حتى أن قلت له فيما قلت: إنهنّ الغواني صاحبات يوسف، ناقضات العهد، وقد قال فيهن كثير عزَّة:

ـهل وصل عــزَّة إلا وصل غانيـة في وصل غانيةٍ من وصلها خلفُ؟

قال: فرفع رأسه، محمرةً عيناه كالمغضب، قال: لست ككثير عزة! إنّ كثيراً رجل مائقٌ، وأنا رجل وامقٌ! ولكنني كأخي تميم حيث يقول:

ألا لا يضير الحبُّ ماكان ظاهراً، ولكــنَّ ما اختـاف الفـؤاد يضيرُ!

ألا قاتل الله الهوى كيف قادني كما قيد مغلــول اليدين أســـيرُ!

فقلت له: فإنه قد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أُصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي.

ألا مـــا للمليحــــــة لا تعــودُ؟ أبخـــلٌ بالمليحــــة أم صـــدودُ؟

مرضـت فعادني أهلــي جميعــاً فمــا لك لا نــرى فيمـــن يعـودُ!

فقدتك بينهم فبكيـت شــوقاً، وفقـد الإلــف يا أملــي شــديدُ!

وما اسـتبطأت غيـرك فاعلميـه وحولـي مــن ذوي رحمـي عديدُ!

ولو كنت السقيمة، كنت أسعى إليــــك ولـم ينهنهنــي الوعيــدُ!

قال: ثم شهق شهقةً وخفت، فمات. فبكت العجوز وقالت: فاضت والله نفسه! فدخلني أمر لم يدخلني مثله قط. فلما رأت العجوز ما حلَّ بي، قالت: يا فتى لا ترعْ! عاش بأجلٍ، ومات بقدر، وقدم على ربٍّ كريم، واستراح من تباريحه وغصصه! ثم قالت: هل لك في استكمال الصنيعة؟

قلت: قولي ما أحببت! قالت: تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه، فإني وحيدة. قال: فركبت فرسي وقصدت البيوت وأقبلت أنعاه إليهم. فبينما أنا أنعاه، إذا خيمةٌ رُفع جانبٌ منها، وإذا امرأة قد خرجت كأنها القمر ليلة البدر. ناشرة شعرها، تجرُّ خمارها.

وهي تقول: بفيك الكثكث! بفيـك الحجر! من تنعي؟ قلت: أنعي فلاناً! قالت: أو قد مات؟ قلت: إي والله قد مات! قالت: فهل سمعت له قولاً، قلت: اللهم لا، إلا شعراً، قالت: وما هو؟ فأنشدتها قوله: ألا ما للمليحة لا تعود، فاستعبرت باكية وأنشات تقول:

عـدانــي أن أزورك يا منـــــاي معاشـــر كُلُّهـــم واشٍ حســــودُ!

أشاعوا ما علمت من الدواهـي وعابونــــا، وما فيهـــم رشــــيدُ!

فأمــا إذ ثويــت اليــوم لحــداً فكـــلُّ النــاس دورهــم لحـــودُ.

فلا طابـــت لي الدُّنــيا فواقــاً ولا لهـــــم ولا أثـــــري عديـــدُ!

ثم شهقت شهقةً وخرَّت مغشياً عليها، وخرج النساء من البيوت واضطربت ساعة وماتت. فوالله ما برحت حتَّى دفنتهما جميعاً.

Esmaiel.Hasan@alittihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا