• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م
مقالات أخرى للكاتب

رهين المحبسين

تاريخ النشر: السبت 03 مارس 2012

نرفل بثوب العافية، ونتمتع بنعم الله التي لا تحصى، وإن قدر للبعض أن يحرموا من نعمة البصر مثلاً، فإن من نعم الله على من فقدوا بصرهم أنه يعوضهم ما فقدوه، فنرى لديهم من البصيرة النافذة، الكثير الكثير، بل هم أكثر قدرة من كثيرين منا، ما يجعلهم أناساً فاعلين في الحياة، وليسوا عالة علينا، كما يتصور البعض من محدودي البصر والبصيرة.

فها هو حكيم الشعراء وشاعر الحكماء، أبو العلاء المعري شاعر، بل حكيم وما قال الشّعر كاسباً، ولا مَدَح أحداً راغباً، وهو مع علو كعبه في الشعر، كان مُلمًّا باللّغة، مُتبحّرًا في فنونها.

أُصيب المعرّي بداء الجدري في سنته الثّالثة، فذهب ببصره وكان يقول «أحمد اللّه على العمى كما يحمده غيري على البصر».

قال أبو العلاء المعري الشعر وهو ابن إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة ورحل إلى بغداد ثم رحل إلى المعرّة، أقام ببغداد سنة وسبعة أشهر، فلمّا كان بها دخل على أمير المؤمنين المُرتضى فعثر برجل، فقال: «من هذا الكلب؟» فأجابه أبو العلاء على الفور: «الكلبُ من لا يعرف للكلب سبعين اسماً»، فأدناه المُرتضى واختبره، فوجده عالماً مشبّعاً بالفطنة والذّكاء، فأقبل عليه وأكرمه.

سَمّى نفسه «رهين المحْبَسين»، لأنه حبس نفسه في منزله وحُبس بصره بالعمى.

كان أبو العلاء عجيباً في الذّكاء المفرط والحافظة، ذكر تلميذه أبو زكريا التبريزي أنه كان قاعداً في مسجده بمعرّة النعمان بين يديّ أبي العلاء، يقرأ شيئاً من تصانيفه، قال «وكنتُ قد أقمتُ عنده سنين ولم أر أحداً من أهل بلدي، فدخل المسجد بعض جيراننا للصّلاة فرأيته وفرحتُ، فقال لي أبو العلاء «أيّ شيء أصابك؟» فحكيت له أني رأيت جاراً لي بعد أن لم ألق أحداً من أهل بلدي سنين. فقال لي «قم فكلّمه». فقلتُ حتى أُتمّم النّسق. فقال لي «قم وأنا أنتظرك». فقمتُ وكلّمته بلسان الأذربيجانية شيئا كثيرا إلى أن سألتُ عن كل ما أردتُ؛ فلمّا رجعت وقعدت بين يديه قال لي «أيّ لسان هذا؟» قلت له هذا لسان أذربيجان. فقال لي «ما عرفت اللّسان ولا فهمته غير أني حفظت ما قلتُما»؛ ثم أعاد على اللّفظ بعينه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه، بل جميع ما قلتُ وما قال جاري، فتعجّبتُ غاية العجب من حُفظ ما لم يفهمه».

أبو العلاء المعري:

إصفحْ،وجاهر،بالمرادِ، الفتى؛ ولا يقولــــوا هــــو مغتـــابُ

إن رابنــا الدّهـــرُ بأفعالــه، فكلُّنـــــا، بالدهـــر، مرتــابُ

فاعفُ،ولا تعتب عليـه،فكم أودى بـــه عـــــوفٌ وعتّــابُ

نمنا على الشَّيبِ، فهل زارنا طيفٌ، لأصل الشرخ، منتابُ؟

Esmaiel.Hasan@admedia.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا