• الاثنين 05 رمضان 1439هـ - 21 مايو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

وسبى العقل بجدٍّ ومزاح

تاريخ النشر: الخميس 17 يناير 2013

لست أدري سر جاذبية موشحات ابن زهر، إذ كلما أزمعت تركه إلى غيره وقعت على نص آخر فريد يستحق التأمل والتغريد. وهذا الموشح يعتمد تقنية طريفة سبق أن وجدناها هي الاحتشاد الثقافي في إشارات «التناصّ» خاصة في المقطع الرابع، لكن علينا أن نقرأ الموشحة من مطلعها:

«فُتِقَ المسك بكافور الصباحْ

ووشت بالروض أعراف الرياح»

واستعارة العطور للشراب مألوفة في الخمريات العربية، لكن إيحاءاتها خافية علينا اليوم، فمناسبة المسك والكافور للصباح لا يعرفها إلا أصحاب هذه التقاليد، ومزاجها الخاص لايدركه سوى أهلها، لكن حاسة الشم التي يوقظها الشاعر في هذا المطلع تنداح من المشروب إلى المنظور، فما يدل على الرياض وأزاهيرها، والورود وأفانينها إنما هو ترف الرياح التي تحمل شذاها وتشي بعطرها.

وهنا تنسجم معطيات الحس في الصورة الكلية للشراب والطبيعة، وهما كما نعرف توأمان لا ينفصمان في المخيال الأندلسي.

«فاسقينها قبل نور الفَلَقِ

وغناء الوُرق بين الورَقِ

كاحمرار الشمس عند الشفق

نسج المزج عليها حين لاحْ

فلك اللهو وشمس الاصطباح»

«الفلق» مفردة قرآنية موسومة، لها سورة معلومة، وإضافتها للنور شارحة، لكن استخدامها في وصف «اصطباحية» الشراب جرأة شعرية لافتة، يحتشد فيها الشاعر بمهرجان متجانس للصوت والضوء.

اللافت في هذه المقطوعة هو دقة التركيب واقتصاد الجملة الشعرية، فليست هناك كلمة زائدة، ولا جملة منقوصة، صياغة غنائية محكمة، مفعمة بالموسيقى الموزعة بين القافية الحائية اللازمة في الختام المريح، والقاف المكسورة المرشحة.

«صار بالدِّلِّ فؤادي كِلَفا

وجنون ساحرات.. وطفا

كلما قلت: جوى الحب انطفا

أمرض القلب بأجفان صحاحْ

وسبى العقل بجدٍّ ومزاج»

هذا الدّل من جوامع الكلم في الغزل، وهو الذي يسبي الفؤاد ويشغله بكلف الحب، لا يدانيه في ذلك سوى العيون الوطفاء الساحرة ذات الأهداب الطويلة السوداء، ثم يلتفت الشاعر في خطابه إلى وصف تعاقب الأحوال عليه، فهو كلما التمس راحة من عناء الحب وانطفاء لجذوته إذا بقلبه يمرض بالأجفان السليمة الفتّاكة، لاحظ مفارقة التقابل بين المرض والصحة، وإذا بشيء آخر مدهش يحدث له وهو استلاب عقله بكل من الجد والهزل الذي يصدر من المحبوب. وليس هناك ما هو أبلغ في وصف حالة المحبين من تعلقهم وافتتانهم بتناقضات محبوبيهم، على أن التراح بين الجد والهزل هو خاصية الشعر وسمة الموشحات ذاتها، كما تتراوح بين الأنغام المختلفة، والمستويات اللغوية المتعددة، والحالات التي تجسد التمثيل الجمالي للحياة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا