• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

تقنية التذييل والترجيع

تاريخ النشر: الخميس 08 مايو 2014

يمضي بيرم التونسي في هذه الافتتاحية لديوانه التي يطلق عليها «حياتي» وكأنه يقدم نفسه على طبق من الشعر، مستخدماً التقاسيم الغنائية المتراتبة لتكرار ما سبق أن قاله بإضافة تذييل واحد في المقطع الثاني وتذييل آخر في المقطع الثالث قائلاً:-

الأولة: مصر قالوا تونس ونفوني جَزَاة الخير

والثانية: تونس وفيها الأهل جحدوني وحتى الغير

والثالثة: باريس وفي باريس جهلوني ونا «موليير»

ليقدم تعليلاً وتعليقاً على الأوضاع التي سبق أن رصدها في المقطع السابق، على ما للتكرار من أهمية في تلوين الخطاب الشعري المرقع الذي يعتمد في جملته على التكرار مع التنويع، استجابة للطبع الشفوي الذي يقوم فيه الترديد مقام إعادة القراءة للنصوص المكتوبة، يعيد الشاعر بلهجته العامية التي تنزع إلى التسوية بين الصيغ في التأنيث جرياً على منطق واحد مستقيم، إذ ما معنى أن تؤنث الثانية والثالثة وبقية الأعداد بالتاء ولا تؤنث الأولى مثلها، العامية - ولها الحق - تفضل الجري على قاعدة مضطردة فتفضل أن تقول الأولة بدلاً من الأولى، وكأنها تصحح شذوذ الفصحى في موضوع الأعداد المزعج للمتكلمين بها حتى الآن، فضلاً عما في تاء التأنيث من ملاحة ولطف. ويقوم التذييل الأول «جَزاة الخير» بفضح المفارقة في موقف مصر من شاعرها، فهي تزعم أنه تونسي وتنفيه جزاء لما قدمه لها من خيرات الفن والإبداع، أما تذييل البيت الثاني فهو شرح لما يترتب على جحود الأهل من جحود غيرهم من باب أولى، ويتضح اعتزاز الشاعر بذلك وإفادته من مقامه في باريس من تذييله للبيت الثالث، فعلى الرغم من أنه يضاهي شاعر الفرنسية الأكبر «موليير» فإن الفرنسيين يجهلون مقامه لعدم معرفتهم بلغته وشعره، ولولا اعتزاز الشاعر بموقعه في ثقافة قومه وأهميته في بلاده لما كان لديه دافع للصمود والاستمرار.

أما المقطع الثالث - ولا داعي لإعادة كتابته هنا لأنه يضيف تذييلاً ثانياً فحسب - فهو يتبع «جزاة الخير» بكلمة «وإحساني» واضعاً قافية جديدة عليه أن يتبعها فيما يأتي، فكأنه وهو يوسع دائرة المعنى يغير نمط إيقاع القافية السابقة بما يجعل هناك قوافي داخلية، ثم يضيف إلى الخاتمة في البيت الثاني «وحتى الغير» كلمة «ما صافاني» مجاراة للقافية الجديدة، كما يضيف إلى «موليير» «في زماني» وهي إضافات تشبع توقع المتلقي وتزيد من دلالة الأبيات، ثم يستأنف القول:-

«الأولة: شرّبتني من فراقها كأس - بمرارة

والثانية: فرجتني على الجمال ينداس - يا خسارة

والثالثة: يا ريتني كان ليّ فيها ناس وإدارة

الأولة آه، والثانية آه، والثالثة آه

الأولة اشتكيها للي أجرى النيل

والثانية دمعي عليها غرّق الباستيل

والثالثة لطشت فيها ممتثل وذليل»

وبين مصر التي شرب مرارة فراقها، وتونس التي أهدرت جمالها وباريس التي كان يود أن يكون له فيها أهل وحكومة يعيد بيرم التونسي تقديم بطاقة هويته المتنقلة المغتربة سابقاً شاعر الأرض المحتلة ومضيفاً الشكوى لمن أجرى مياه النيل وذارفاً من الدمع على تونس ما يغرق سجن الباستيل الذي حطمته الثورة الفرنسية، لكنها تركت شاعر الوطن العربي ممتثلاً ذليلاً حتى كتابة هذه السطور المفعمة بالوجع والحنين.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف