• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

أيها الآخذ قلبي

تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

نأتي إلى ختام هذه الموشحة التي طالت صحبتنا لها بفضل هذا الكتاب الثمين للإفراني الذي توفر على شرحها بيتا بيتا، واستحضر بذاكرة غنية ما خطر له من أشعار واخبار تتوافق معها وهو بعنوان “المسلك السهل في شرح موشحة ابن سهل”، حيث يذكر الأبيات الأخيرة منها:

أتقى منه على حكم الغرام

أسدا وردا وأهواه رشا

قلت لما أن تبدى مُعلما

وهو من ألحاظه فى حرسِ

أيها الآخذ قلبى مغنما

اجعل الوصل مكان الخمس

أى أن هذا المحبوب سكنت محبته قلبي، وتخللت مسلك الروح مني، فصرت أعشقه ظبيا صغيرا، بينما هو في عظيم سطوته أجده في قلبي أسدا هصورا، وهذا المنحنى في التعبير يسمى في البلاغة التجريد.

ثم يجيء قفل الموشحة في البيتين الأخيرين، فيعود إلى قافية السين التي استهل بها الموشحة وكررها في كل الأقفال حتى الخرجة الأخيرة التي يبدأها كالمعتاد بفعل القول، لكنه لا يورد أغنية محفوظة ولا قولا مأثورا بعده، بل يخترع خرجته كي تصير من المأثورات بعده، ومعناها أنني قلت لهذا الظبي لما تجلى كالبرد المعلم في رقم أديمه بما فطر عليه من مظاهر الحسن، قلت له: يا ذا الذي قاتل قلبي في معترك الصبابة والهوى، حتى غنمه وأخذه فيئا له، على اعتبار أن المحبوب قد هزم جيش الصبر وأخذ قلب العاشق غنيمة كما تقسم الغنائم خمسة أقسام، كل منها يسمى الخمس، حيث يستولي سلطان الحسن على الخمس ويستبد فيقسم الأربعة أخماس الاقية على أنصاره من الحراس وهي الألحاظ والجنون، قلت له: هلا جعلت وصلك لي مكان الخمس الواجب شرعا في مثله. ويلاحظ أن ما ساقه الشاعر من اعتبار الجنون هي الحرس المشرع كالسيوف مما تعود عليه الشعراء من مزج خطاب الغزل بخطاب الحرب في معارك الهوى والصبابة، ومنه قول الشاعر التهامي:

طرقته فى أترابها فجلت له

وهنا من الغرر الصباح صباها

أبرزن من تلك العيون أسنة

وهززن من تلك القدود رماحا

ياحبذا ذاك السلاح وحبذا

وقت يكون الحسن فيه سلاحا

فمصارع العشاق تحت أسنة الجنون الفائرة تجعل الجمال هو الغلاب والحسن هو السلاح القاتل للأفئدة والمحى لها في الآن ذاته، وابن سهل يستخدم في هذه الخاتمة ملحة فقهية مرتبطة بالغنائم، فيوحي لمن تابعه بعد ذلك باستخدام ملح أخرى في معارضاته، ومن أشهرهم لسان الدين بن الخطيب حيث يقول:

اتقوا الله وأحيو مغرما

يتلاشى نفسا فى النفس

حبس القلب عليكم كرما

أفترضون حراب الحبس

هنا نلاحظ أن هذا المزج بين الخطابين الديني والغزلي يشف عن روح من التسامح وكرم النفس.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا