• الجمعة 07 جمادى الآخرة 1439هـ - 23 فبراير 2018م
مقالات أخرى للكاتب

تسامي

تاريخ النشر: الخميس 18 يوليو 2013

توزع الشاعرة والروائية الأميركية أليس والكر حنانا على كل أطفال الأرض. فشهرتها كأديبة، توازي شهرتها كناشطة سياسية واجتماعية من أجل قضايا الحق والعدالة والحرية في أنحاء العالم. وتحتل النساء وأطفالهن ـ وكل المظلومين ـ مركز الصدارة في تلك القضايا. من أجل هؤلاء جهرت بصوتها وبرأيها وبحركتها، ضد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين خصوصا في غزة. زارت القطاع المحاصر، ونظمت حملة من أجل إنقاذ سكانه، ورفضت رشوة أدبية بترجمة أعمالها إلى اللغة العبرية نظير توقف نشاطها المعادي للصهيونية.

ومن أجل كل المظلومين، ناهضت الإدارة الرسمية في واشنطن، واشتركت في كل التحركات الاعتراضية على الحروب التي خاضها المحافظون الجديد، في مشارق الأرض من أفغانستان، إلى باكستان، إلى العراق ووو...

حكيمة الزنوج هذه، استمدت نبلها الإنساني من مآسيهم العميقة والممتدة، فجاءت كتاباتها لكي تصور نضالاتهم من أجل الكرامة والحرية عبر التاريخ. استطاعت بشكل خاص، أن تجعل من المرأة الزنجية عنوانا لتلك المأساة، مازجة بشكل مدهش بين مشاكلها المزدوجة: النوعية والعنصرية. وأكثر ما يتضح ذلك في رواية أليس والكر العلامة «اللون القرمزي» (نالت عنها جائزة البوليتزر عام 1982، وحولها ستيفن سبيلبيرغ إلى فيلم سينمائي بالعنوان نفسه عام 1995).

في «اللون القرمزي» تجعل المؤلفة من «سيلي» محورا للحدث، ورمزا للألم. فتاة تتعرض للإغتصاب من قبل زوج والدتها بشكل دائم، وتنجب منه طفلين لم يسمح لها بمشاهدتهما. هنا يكمن الألم المزدوج في حياة السود الأميركيين في القرن التاسع عشر. يخوضون نضالا مضنيا من أجل الاندماج في مجتمع واحد مع البيض، يواجهون الكراهية والقهر والتمييز العنصري الدموي، وفي الآن نفسه يستعير نفر منهم أساليب التعذيب من البيض، لكي يمارسوها على بني جلدتهم.

تتبع أليس والكر تراجيديا النساء والرجال والأطفال طيلة أربعين سنة، لكي تصل في النهاية إلى.. نهاية محلوم بها. نوع من الفيض الإلهي، يجعل الإنسان يرتفع فوق آلامه، يسمو على العذاب ويتسامى على المعذبين. هكذا فعلت «سيلي». نهضت بقامتها، ورفعت رأسها، وسارت بخطى ثابتة في حقل قمح واسع نحو مصير قدري.. لم يتأخر كثيرا، فتلتقي بالأحباء الذين حرمت منهم. كان ذلك تطبيقا عمليا لوصية مارتن لوثر كينغ: «لا يستطيع أحد ركوب ظهرك، إلا إذا انحنيت».

ليس هناك من داع إلى كتابة هذه السيرة المختصرة لأليس والكر، الإنسانية والأدبية، إلا أليس والكر نفسها. فهي، في حياتها الخاصة، تعيش فصلا مما كتبته في أعمالها الإبداعية وسجلته في نشاطاتها السياسية. تكشف في حوار نشر قبل أيام معها، أن ابنتها «ريبيكا» تقاطعها منذ سبع سنوات. لا تعرف السبب. ولا تعرف من المسؤول عن هذا النكران. تتسقط أخبارها من هنا وهناك، دون أن تتمكن من الاتصال بها. عرفت إنها أنجبت طفلا، لكنها لم تلتق به أبدا. تقول إنها فخورة بحفيدها، حتى وإن كان غريبا عنها. تتحدث أليس والكر عن مأساتها الصغيرة بلا حرج، وحينما يلمح سامعها إن ألما داخليا يعتصرها.. تفر إلى المأساة الأكبر. آلام كل المظلومين. تقول إن مجتمع السود الأميركيين يقدم لها آلاف الأطفال، الذين يشعرونها بأنهم أحفادها حقا.

تتسامى أليس والكر فوق آلامها، كما فعلت بطلتها «سيلي»، فتغني للأم: «لدينا أم رائعة/ وثير.. حجرها الأخضر/ أبدي.. حضنها البني/ زرقة الجسد هي كل ما نعرف». وتغني للحياة: «أعتقد إن الحياة أفضل من الموت.. فقط لأنها أقل مللا، ولأنها ممتلئة بالخوخ الطازج».

adelk58@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا