• الجمعة 09 رمضان 1439هـ - 25 مايو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

يقين

تاريخ النشر: الخميس 10 يناير 2013

إليك هاتين الحبكتين لقصة واحدة، ولك أن تختار أيهما تروق لك أكثر. بهذه الصيغة، تقريبا، يقدم الكندي يان مارتل روايته Life of Pi “حياة باي” للقارئ. وقد حققت الرواية لدى القراء ما تحققه أي رواية أخرى من صنفها، على الرغم من أنها نالت جائزة “مان بوكر” البريطانية المرموقة عام 2002. لكن الرواية نالت حياة أخرى بعدما أنجزها سينمائياً المخرج التايواني آنج لي، بفيلم يحمل العنوان نفسه.

والغريب أن صيحات الاستحسان سواء من النقّاد أو المشاهدين ذهبت باتجاه واحد. أجمع هؤلاء وأولئك على قوة الإبهار التي حققها المخرج باستخدام تقنية الأبعاد الثلاثية. كتبوا عن الحوت القافز، والأسماك الطائرة، والجزيرة الغرائبية. وفي تقديري إن هذه التقنية أصبحت تحصيل حاصل في الإنتاجات العملاقة بعد فيلم جيمس كاميرون العلامة “آفاتار” Avatar .

ما يستحق الوقوف عنده في فيلم “حياة باي” هي الفكرة التي أرّقت البشرية منذ أن كانت، سؤال ما قبل الوجود وما بعده، وقد ذهب المؤلف يان مارتل إلى الهند بحثا عن فكرة لرواية يكتبها، فعاد بإجابة عن هذا السؤال، سأله عجوز هناك: هل تريد أن تعرف الطريق إلى الله؟ إليك هذه الحكاية.. فكانت الرواية وبعدها الفيلم.

لم يسلك الروائي الكندي الطريق الذي سلكه أقرانه في مقاربتهم للشرق. لم يمثل له (هذا الشرق) مكمن الغموض السحري أو الأسطوري. لم تشغله الأرواح الخيّرة أو الشريرة التي تشكل ذهنية الغربي عن الشرق، قبل أن تشكل مزاج الشرقي نفسه. لم تصبح عنده روائح التوابل طريقا معرفيا. طرح يان مارتل الأسئلة الإنسانية الكبرى، بغض النظر عن اختلاف الحضارات والفلسفات والأديان. واختار صبيا هنديا لكي يطرح تلك الأسئلة من خلال سيرته. يخوض الصبي “باي” رحلته إلى اليقين عبر البوذية والمسيحية والإسلام. يؤمن بالأديان بسوية واحدة، قبل أن يخوض رحلته الأصعب، حيث تصبح مناجاة الإله جزءاً من معادلة الحياة.

كان والد الصبي صاحب حديقة الحيوان اضطر لاصطحاب عائلته وحيواناته في رحلة بحرية صعبة للهجرة إلى كندا. وفي عرض المحيط الهندي تهب عاصفة تطيح بالسفينة ومن فيها، ولا يبقى على متن قارب النجاة غير الصبي “باي” وحمار وحشي وغوريللا ونمر صعب المراس يسميه ريتشارد باركر. (الاسم مستوحى من رواية لإدغار آلن بو عن أربعة رجال يتيهون في المحيط فيأكلون بعضهم ابتداء بريتشارد باركر).

طوال 277 يوماً يخوض الصبي “باي” صراع وجود مع النمر، الذي يفترس الحمار الوحشي والغوريللا. صراعاً تتواجه فيه نزعة الإنسان مع غريزة الوحش، ويستعين فيه “باي” بخبراته الإيمانية واختباراته الحياتية، إلى أن يتمكن من ترويض الحيوان. وحينما يصلان إلى الجزيرة العجائبية التي تأكل نباتاتها الكائنات الحية بعدما يهبط الليل، يحرص “باي” على النجاة بصحبة النمر. أما حينما يصلان إلى شاطئ المكسيك، فإن النمر يقفز من القارب ويتجه إلى الغابة، دون أن يلقي نظرة على صاحبه المتهالك “باي”.

هناك سوف يضطر “باي” إلى تقديم حبكة مختلفة من حكايته عندما لا يصدقه محققان يابانيان من الشركة المالكة للسفينة. يروي لهما قصة مؤلمة أبطالها طباخ السفينة ووالدته وأحد البحارة وهو نفسه، عندما يتلبسون أدوار الحيوانات المفترسة ويلتهمون بعضهم بعضا.. فيتأثران ويصدقان..

يتركك المؤلف والمخرج (الذي أبدع في نقل المفاصل الأساسية للرواية) أمام حبكتين: واحدة شاهدتها والثانية سمعتها، ويبقى عليك أن تقرر طريقك إلى اليقين الذي تريده......

adelk58@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا