• الثلاثاء 05 شوال 1439هـ - 19 يونيو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

عودة

تاريخ النشر: الخميس 08 مارس 2012

شبه إجماع ظهر في “مانشيتات” الصحف العالمية: عودة القيصر إلى الكرملين. لكن اليوم لا يشبه البارحة، فالقيصر العائد ليس من سلالة آل رومانوف، والكرملين الذي احتضن إيفان الرابع (الرهيب) مؤسس حكم القياصرة، وبطرس الأكبر آخر عناقيدهم، لم يعد كما كان. مرّ تحت قبابه ثوار وحالمون بتغيير العالم وانتهازيون وبيروقراطيون ومرضى وزعماء مافيا ومنكفئون عن مبدأ الصداقة بين الشعوب إلى أحضان الصقيع الروسي.

سقط الكرملين في مطالع القرن الماضي في أيدي الثوار البلشفيين. اعتلى عرشه مثقف كبير، ومنظّر من الطراز الأول، ومنظّم حديدي للبشر والطاقات: فلاديمير ألييتش أوليانوف المعروف بـ (لينين). كانت روسيا في ذلك الوقت جوهرة الآداب الكلاسيكية، تزاحم بريطانيا ورموزها، وتسابق رواد الأدب الفرنسي. كان السجل الأدبي الروسي يزدحم بأسماء لامعة مثل إيفان غونجاروف، وإيفان تورجينيف، وألكسندر أستروفسكي، وسيرجي إكساكوف، وبوشكين، وراسبوتين، وتولستوي، وتشيخوف، ودوستويفسكي، ومكسيم غوركي، ومندليف. غاص هؤلاء الروائيون والمسرحيون في استكشاف عوالم شعبهم، والأزمات الروحية والاجتماعية التي تكبل طاقاته. جالوا في غياهب النفس البشرية. بحثوا في/ وعن القلق والغربة، والصراع مع الألم والفقر. ولعل عمل دوستويفسكي الرائع “الإخوة كارامازوف” هو المثال الأصدق عن روسيا الاجتماعية ما قبل الثورة البلشفية، كما هي رائعة تولستوي “الحرب والسلام” مثال صادم عن روسيا السياسية وطبقاتها الحاكمة المتحكمة.

كان من المفترض أن يمثل انتصار ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917، قاعدة انطلاق لثورة أدبية عظيمة ترافق نهوض الاتحاد السوفياتي كإمبراطورية مترامية الأطراف، متعددة الأعراق والثقافات، منفتحة على صداقات مع شعوب العالم الثالث.. كانت البدايات مبشرة. ظهرت ملحمة القهر والمجد التي كتبها بوريس باسترناك تحت عنوان “دكتور زيفاجو”، وانتشرت رواية “الدون الهادئ” لميخائيل شولوخوف، وومضت أسماء مثل بلاتونوف وبولجاكوف، ثم بدأت تلك الومضات تذوي. راحت “ماكينة” الدعاية السوفياتية تكتفي بمنتجات التمجيد. أصبح فيلم “السفينة بوتامكين” أيقونة الثوار في كل مكان. أصبحت الثقافة انحرافا برجوازيا، تدعو جوزف ستالين لكي يتحسس مسدسه كلما سمع بها، واكتفت الدائرة الثقافية في الحزب الشيوعي بحقن التلقيح الآيديولوجي التي يتلقاها طلبة جامعة باتريس لومومبا، وتحفل بها منشورات دار التقدم، وتروج لها افتتاحيات “البرافدا”.

مع بدايات الثورة الرقمية في أواخر القرن العشرين، كان الاتحاد السوفياتي أسير الأرقام التي تكبل مسيرته وتهدد وجوده. أرقام تخلّف الاقتصاد، وفقر الناس وضمور طاقاتهم. فهم عضو المكتب السياسي ميخائيل غورباتشوف إن انسداد الأفق لا فكاك منه. جاء إلى الكرملين بأطروحتيه “البيريسترويكا” (التجديد) و”الغلاسنوست” (الشفافية)، وقاد بهما الاتحاد السوفياتي نحو التفكك.

القيصر العائد فلاديمير بوتين يفهم هو الآخر إن اليوم لا يشبه البارحة. وإن صهوة الجواد الذي أوصله إلى الكرملين لن يعيد الإمبراطورية المنحلة، لكنه لا ينبغي أن يبقي روسيا أسيرة الخراب الذي ألحقة بها ورثة قياصرة الحزب الشيوعي. يقول بوضوح: “بلا قلب من لم يحزن على رحيل الاتحاد السوفياتي، وبلا عقل من يريد عودته”.

يفهم بوتين، أيضا، إنه بعد عشرين عاما من سقوط الاتحاد السوفياتي، أضحت روسيا عملاقا يقف على ساقين من خشب. انطفأ ذلك الألق الذي منح روسيا طاقتها الروحية في الأدب والشعر والفنون. لن تقوم إمبراطورية عمادها كافيار البحر الأسود ونفط سيبيريا فحسب. ولن تحتل روسيا مكانتها بين الشعوب الصديقة من خلال لاعبات التنس الفارعات وعارضات الأزياء الفاتنات.

تحتاج روسيا الجديدة، إلى تولستوي وديستوفيسكي وباسترناك وبوشكين جددا.. وهو أمر لا يمتلك أمره القيصر الجديد.

adelk58@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا