• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

عام السيّاب

تاريخ النشر: الخميس 30 يناير 2014

يستكمل غياب بدر شاكر السياب هذا العام نصف قرنٍ، حفلَ شعرياً بما يمكن اعتباره تطويراً لمشروع الحداثة الأولى أو التجديد الذي اقترحه السياب والرواد في أربعينيات القرن الماضي. لكن ذلك المشروع- ككل تحول مفصلي جذري في الشعر- لا يهرم أو تتجاوزه الأحداث. فالحضور المدهش لمقترح السياب يستوجب منا المراجعة والاستذكار، إضافة إلى دراماتيكية حياة السياب نفسه، وما اكتظت به مرحلة الرواد من وقائع وضعت الشعر العربي أمام أسئلة التجديد والتحديث، والعيش في متن العصر لا على هوامشه أو حواشيه. شاعر كالسياب جدير بعام من الاحتفاء وبدراسة منجزه والكشف عن جديد لم يتح له أن يظهر؛ كرسائله الشحيحة التي تتناثر بين أيدي أصدقاء وزملاء له،فضلا عن إمكان دراسة شعره بمناظير جديدة كالسرد والإيقاع والترميز وبنية الأسطورة، والإشارة والدلالات وسواها مما يعد منجز السياب مناسبة لائقة به.

يحصل في آداب الشعوب أن تتكرس الدراسات حول مبدع مميز؛ فتتكون بصدد إنجازه الجماعات أو الهيئات، ومواصلة البحث في نتاجه، وتهيئة نصوصه للقراءة بسبل شتى، حتى بطريق التبسيط أو التلخيص او التعريف أو المختارات المتنوعة، ليناسب المستويات التي يتحدد التلقي في ضوئها.

هذه الدعوة لا تعني أن السياب لم ينل هو ومشروعه ونصوصه ما يستحق من دراسات، فالمكتبة السيابية كبيرة، ولا تتوقف أكاديميا أو نقديا في بلدان عربية وغربية شتى. فالسياب اجتاز الانتماء الضيق، وصار هبةٌ لبلدان ولغات عدة،تماما كما كان خلال حياته الشعرية، لاسيما في مرحلة التزامه السياسي، يكتب للحرية والإنسانية والعدل في كل مكان: المغرب العربي الذي كان ثائرا قبل استقلال بلدانه،ولـ بورسعيد في العدوان الاجنبي عليها، ولفلسطين المحتلة ولأفريقيا وكفاحها ضد التمييز، ولأقطار العرب الصاعدة صوب نيل استقلالها وهويتها،كما انحاز للمهمشين والمضطهدين والمستلبين اجتماعيا.. وهذا سبب إضافي للعناية بنصوصه ودراسته المستمرة. لكن دعوتنا تتركزفي الإلتفاف حول شعره، وما يحف به من مؤثرات وظواهر عبر هيئات دائمة. ولعل المناسبة الخمسينية لغيابه تبرر قيام الهيئات الثقافية العربية مؤسسات واتحادات كتاب ودور نشر بعقد حلقات دراسية حوله وتجمعات ثقافية وقراءات ومنشورات وبرامج مسموعة أو مرئية وتوثيق صوري أو مكتبي، يزيد حضوره جلاء وقرباً من القراء. لقد تمنّى ذلك هو نفسه باستحيائه المعهود وتواضعه أن يذكره القادمون وألاّ يتبدد اسمه كالموتى:

“لقد كتبوا أساميهم على الماءِ/ ولستُ براغب حتى بخط اسمي على الماءِ

إذا ما شئتموا أن تذكروني فاذكروني ذات قمراءِ/ وإلا فهو محض اسمٍ تبدد بين أسماءِ).

إنصاف السياب الذي لم ينل إلا حصة شحيحة من حياة انقضى أغلبها في (غربة الروح) عوزاً ومرضا، سيضعه في سرمديةٍ حلمَ بها؛ فعاش حياته بلهفةِ مَن يسمع الحصى يصلُّ في القرار وعاليا يرى الغيوم تشرب المطر والنجوم تتراقص في صفحة الماء، وخشي كثيرا من نور خائف، وطريق بلا باب، وغيمةٍ عاقر كطلق بلا ميلاد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف