• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

مستقبل النقد الثقافي

تاريخ النشر: الخميس 23 يناير 2014

يكثر الحديث عن النقد الثقافي في الآونة الأخيرة لا سيما في الندوات الأدبية واللقاءات الإعلامية، والحوارات مع النقاد والأدباء. ويكون التساؤل المتشكك عادة عن جدوى النقد الأدبي بطرائقه المعتادة ومفاهيمه وأساليبه، و ضرورة تبني فرضيات النقد الثقافي وإجراءاته وموضوعاته بديلا عنه، باعتبار أن النقد الأدبي يقدم مقاربات (نصية جمالية لا جدوى لها، تكرّس حداثة رجعية ونسقية)، فيما يكون للنقد الثقافي هدف آخر هو التركيز على الظواهر السياسية والاجتماعية وضرورة تناولها نقديا، في تراجع مقصود عن جماليات النصوص إلى محركاتها الإيديولوجية والاجتماعية فحسب.

وينطوي الأمر على أكثر من مصادرة منطقية ومغالطة علمية، أولها الاحتكام للناسخ والمنسوخ، فكأنْ لا حياة للنقد الثقافي إلا بموت النقد الأدبي، فصار الثقافي ناسخاً والأدبي منسوخاً، بتهمة وجود (الأدبية والشعرنة فيه وانصياعه للأنساق)، وانصرافه إلى البحث في (جماليات يصنعها مجاز لا حقيقة تسنده). وفي الدعوة لموت النقد الأدبي والاشتغال على النصوص وفق مقولات النقد الثقافي تنكر للحداثة وبرامجها ومقولاتها بداعي الانجرار وراء الهجمة الشعبوية والتوسيعات النصية الكبيرة التي جاءت بها موجات ما بعد الحداثة. ولكن الدعوة في ظني مبكرة عربيا؛ لأن تبنّيها يتطلب إنجاز عملين مهمين نوهنا عنهما في مناقشة كتاب الدكتور عبدالله الغذامي (النقد الثقافي) هما: توسيع مفهوم النص ليشمل أنواعاً غير أدبية كما يريد منظرو ما بعد الحداثة، والثاني توسيع مفهوم الثقافة ذاتها كي تشمل مفردات هي في الحقيقة خارج اهتمامات الأدب أصلا، وعلى هامش الاشتغالات النقدية بالضرورة، ولها صلة حميمة بفضاءات الشبكات التواصلية كمواقع نشر، وبتقنيات الرقمنة وأثرها في تشكيل الخطابات، وهو ما لم يدخل بعد بشكل كافٍ في ثقافتنا إنتاجاً وتلقياً. وأكثر المواقف تطرفاً يتذرع بكون النقد الأدبي أحد سلبيات مرحلة الحداثة التي يتم تجريمها من خلاله، وهذا الموقف ينسخ مرحلة ذات أهمية في تشكيل النظرية الأدبية، ويلغي منجزات التحديث شعرياً وسردياً ونقدياً، وكذلك ما حصل على مستوى التلقي وجماليات القراءة. ويمكن أن نرد التهم عن النقد الأدبي هنا؛ فهو لا يهتم بالنصوص النخبوية حصراً كما يصوره دعاة موته، بل يهتم بالهوامش أيضاً، ومثالها الكتابة النسوية، والأنواع المقلقة للثوابت كقصيدة النثر والتنوع الأسلوبي في السرد وغير ذلك.

ولعل المفارقة الأكبر في الترويج لأحادية النقد الثقافي هي أن كتاب فنسنت ليتش حول النقد الثقافي الذي أخذ كتاب الغذامي عنوانه لم يترجم للعربية، بل تمت ترجمة كتابه عن النقد الأدبي الأميركي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، ولم تصدر سوى دراسات محدودة في هذا المجال. وإذا راجعنا بعض ما كتب تنظيراً للنقد الثقافي أو تطبيقاً على ظواهر وأعمال ونصوص لا نجد فيه ما يسوغ طي صفحة النقد الأدبي، وتجاهل التحديث الإجرائي والمنهجي فيه؛ كظهور المناهج الأسلوبية التي تقارب النصوص علمياً، وكذلك تيارات النقد الألسني والنفسي والاجتماعي. بل سنجد كتابات نقدية أدبية كثيرة عالجت ماهو اليوم من اختصاصات النقد الثقافي وشواغله.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف