• الأحد 02 جمادى الآخرة 1439هـ - 18 فبراير 2018م
مقالات أخرى للكاتب

أطلس الويلات

تاريخ النشر: الخميس 18 يوليو 2013

هل يتحول العراقي كائنا تذكاريا؟ هياج النوستالجيا يعصف بذاكرته وهو في مغترب بعيد ليتمثل ماضيا تجري فيه الحياة بتلقائية، ويقارنه بما حل به من تشظ وتباعد وخسائر طالت الأفراد والمجتمع معا. الرواية تلتهم اليوم هذه الثيمة؛ لتستخلص منها وقائع وأحداثا تصبّ كلها في هذا المجرى الهادر من الألم.

رواية إنعام كججي الأخيرة «طشَاري» ـ الثالثة في إصداراتها بعد «سواقي القلوب» و»الحفيدة الأمريكية» ـ هي مناسبة هذه الاستطرادات حول مشاغل السرد العراقي في الحقبة الحرجة من حياة وطن، تقول عنه في آخر سطور الرواية إنه «بلد فذٌّ ضربته لعنة الفرقة فمسخته وحشاً، تصلي له فلا تستجيب السماء». و»طشّاري» بحاجة لتفسير عتباتها الكثيرة، وأولها العنوان الذي استعارته من العامية العراقية ويعني الغاية في التناثر والتبدد، أو كما تفسره الشاعرة المفترضة في العمل «تفرقوا أيدي سبأ.. تطشروا مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الاتجاهات».

هكذا بدا العنوان موجها قويا لقراءة ماضي شخصية الرواية الأساسية: ورديّة الطبيبة المسيحية العجوز التي خدمت عقودا متخصصة في التوليد حتى هددها المتطرفون؛ لتجد نفسها لاجئة تتداعى ذكرياتها في باريس منتظرة مصيرها، وملتفتة بحزن إلى مفردات حياتها الماضية: فتاة في الموصل ثم طالبة طب ببغداد وطبيبة في مدينة الديوانية الصغيرة وسط العراق في زمن الحكم الملكي. تلك فرصة للكاتبة لتعرض كثيرا من التاريخ الشخصي ممزوجا بالتحولات المفصلية في حياة وطنها: النظام الجمهوري عام 1958 ثم الحروب الطويلة في حكم البعث، والتغيير الذي كما تقول أخذ ديكتاتورا ليجلب عشرات سواه.. ولا شك ان المؤلفة المشغولة أيضا بمصير الأقليات في العصف الطائفي والعنف ستعالج موضوعها المميز في أعمالها: تأمل مصير المهاجرين بشتى أجيالهم وما تسبب في هجرتهم لجهات الارض الأربع وما تعرضوا له من تهميش واستعداء وتهديد بالموت بسبب ديانتهم أو مهنهم. ذلك ما يمكن أن نصطلح عليه بسرد الأقليات الذي صار له رصيد واضح في الكتابة الروائية. نستذكر هنا كنماذج رواية «يا مريم» لسنان أنطون و»عراقي في باريس» لصموئيل شمعون و»متاهة آدم» لبرهان شاوي وسواها.

تتحدث ابنة الأخ الشاعرة عن ديوانها (طّشاري) الذي يتذكر «الأعزاء الذين تفرقوا وما عاد يمكن لشملهم أن يجتمع إلا في أطلس الخرائط» او أطلس الويلات كما تسميه لاحقا بسبب المصائر المحزنة لكثير من الأقارب مقتولين أو مختطفين أو مهددين. الصبي اسكندر الذي اصبح فرنسيا تصله عدوى حنين تحاول ورديّة تجنبه بلا فائدة، يرسم في كمبيوتره مقبرة افتراضية يضع فيها قبورا للموتى والأحياء من العائلة. وهكذا تسير بتواز منتظم ومدروس خطوط أزمنة وأمكنة كثيرة: العهود السابقة والتحولات ومصائر الأفراد في فضاء الغربة. الطبيبة المقعدة بباريس مثل ابنتها هنده «تتذكر البيوت الكثيرة التي عاشت فيها». توقفت الرواية وانتهت من حيث بدأت لحظة المهجر، فتقدمت إلى وراء حيث الماضي والحنين لما يمثّله. بعد تثبيت وردية في مكانها تراقب حياتها وتشركنا في معاينتها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا