• الخميس 08 رمضان 1439هـ - 24 مايو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

راحلاً إلى عدْنِه المضاع

تاريخ النشر: الخميس 17 يناير 2013

في نعي القاص العراقي الستيني فهد الأسدي قبل أيام تداعى إلى الذاكرة عنوان مجموعته (عدْنٌ مضاع). وما تأولناه حوله مستعينين بحديثه الدائم عن (الجبايش) حيث ولد في عمق أهوار الجنوب وبطائحها ومسطحاتها المائية، ولم تغادره عوالمها فافتتن وتفنن برصدها في أعمال لاحقة حين غدا كاتباً وهاجر إلى المدينة، حاشدا طبيعتها المائية ومخلوقاتها حيوانات وطيورا، وبشرها المعذبين. وتخيلته عائدا برحيله هذا إلى ذلك الفردوس المفقود أو المضاع .. لقد رحل إليه أخيراً!.

الرحيل تكييف لغوي للغياب الأبدي، نستخدمه تخفيفاً لا شعوريا لوقع الموت، وترجمة لا شعورية لإحساسنا بأن ثمة ما ينتظر.. ذلك ما أوحى به الأسدي في نصوصه وشهادة بالغة العذوبة عن تجربته الكتابية. وعدن فهد الأسدي حاضرة في قصصه بعد مفارقته لها بعقود، ولازمته كعلامة مميزة لسرده الذي يصنف ضمن الواقعية الجديدة رغم أنه يصرح دوماً أن القصة لم تعد محفلا لسرد مباشر أو فوتوغرافي للخارج. وهو الفهم المتقدم الذي وسم أغلب قصاصي جيل الأسدي الستينيين المحتكمين في كتاباتهم إلى واقعية شعرية من نوع خاص، فيها من الغرائبية الكثير رغم انتمائها لمحيطها كفكر ورؤية. يؤكد ذلك ما في قصصه من مصائر ووقائع اقرب إلى الفانتازيا غالبا، حتى وهو يؤثث قصصه بالمسحة القريبة من الواقع والمتمثلة للمهمشين من البسطاء كشخصيات قصصية تكافح المجهول و أخطار الحياة. وللطفل مكانة خاصة في قصص الأسدي يذكرنا بطفولة مضيعة بين العناء والبراءة، لعله في قصصه يريد لا مجرد استحضارها بل عيشها من جديد.

في نعيه استذكرت قصته (الراضوع) وما شعرنا به عند نشرها من خشية قراءتها إيديولوجيا، فقد كانت ضربا من الفانتازيا التي تحيل إلى شهوة الدم والموت لدى الدكتاتور. الراضوع صيغة مبالغة تستخدم في العراقية الدارجة للتكثير والمبالغة. والطفل المولود في القصة يرضع حليب أمه بنهم غريب فيمتصها حتى يميتها.

وهكذا كل امرأة ترضعه فيترك الأهالي مساكنهم خوفاً، ويرحلون عن المكان. لكنهم بعد حين يعودون؛ يرون الراضوع ميتا. لقد امتص أعضاءه، حين لم يجد ما يمتصه ويطفئ شهوة الموت داخله. كانت دوال القصة تحيل إلى الوضع العراقي حينها وإمكان الموت بسهولة لوشاية أو ظنّ أحياناً، وهكذا تزايدت خشيتنا حين صارت القصة حديثاً عاماً لا سيما في النقد القصصي والندوات، ويضاعف خشيتنا ما عرف به الأسدي من انتماء يساري تفصح عنه كتاباته ورؤيته. ففي شهادته يعترف الأسدي أنه مدين لأسماك الهور وغيالمه وأفاعيه، وللصياد وقاربه السومري في مياه لعلها تلك التي نزل جلجامش لأعماقها بحثا عن عشبة الخلود. عن جزيرة العبيد التي أرخ لها في نص منشور يقول إن ما أثاره ليس العبودية بل إن يصدق المرء دوما أنه عبد. ويختم بالقول لقد أعطتني الحياة وحلاً جهدتُ لتحويله بكيمياء الفن ذهباً. ذلك في ظني ما سيلقاه كنزا في عدنه المضاع.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا