• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

مستر بيلفيو

تاريخ النشر: الخميس 05 يونيو 2014

كانوا أكثر من مائة وخمسين طالباً وطالبة من الأميركان والوافدين لأميركا من قارات العالم نجاةً أو أملاً، امتلأت بهم وذويهم قاعة كبيرة بانتظار تسلمهم شهادات استكمال الدراسة الوسطى والانتقال لمرحلة التعليم الأعلى التي تؤهلهم بعد سنوات أربع لمواصلة تعليمهم الجامعي.. وسطهم جلس الحفيد زيد بسمرته العربية وقامته الطويلة ونحافته التي تشير لعناء النضج واجترار الألم. إنه لم يعد يعرف شيئاً عن أبيه المختطف أمام ناظريه منذ ثماني سنوات ليست كافية للنسيان أو التناسي. وهو مثلنا جميعاً، تدور في عينيه الأسئلة ممتزجة بالدموع واختبار الفرضيات الممكنة، صبراً أو تصبراً. لربما ظهرت علامة عن المفقود أو إشارة ما نترقبها منذ غيّبه الغلاة وراء شعاراتهم المغلفة بتديّن لا يرينا منهجهم منه سوى العنف وكراهية الحياة ورموزها. هنا في المغترب الأميركي، صرنا نتواطأ بالصمت لترميم أرواحنا المنكسرة، ونداري الغصة التي تقطع مكالماتنا وحواراتنا ورسائلنا كلما ذكرنا والده المغيب. ذات خريف كشفت وحوش بشرية عن أنيابها في صفرته لتأخذه لمجهول صار تغييباً لنا كلنا. وظل الوطن البعيد اسماً لجرح منفتح. نتحاشى ذكره ونحن نغوص في رمال غربتنا.. كانت واقعة الأب مناسبة لتحدٍّ آخر. أن يستوعب زيد المنفى ويحيط به ويدرك أسراره بدءاً باللغة. وسط المائة والخمسين، تبدو قامة زيد وثيابه التي انتقاها تقليدية تليق بحفل. سيقطف ثمرة تحديه لوجعه وألم العائلة ومرور الزمن فوق حزنها.

سيعوض الغصة التي تصعد لتنهي مكالماتنا وحواراتنا. لن أنسى أنني ذات عام جامعي كنت أحلل لطلبتي قصيدتيْ البياتي عن ولده علي (قمري الحزين/ البحر مات) لكنني وبعد عام الفقد ذاك لا أجد الشجاعة لشرح سياق النص لطلبتي الذين يشاركونني المحنة. توقفت طويلاً ولم أقرأ سوى العنوان وناب نشيجي عن قراءة النص. كيف سأقرأ تساؤلات البياتي (أوَهكذا تمضي السنون/ ويمزق القلبَ العذاب/ ونحن من منفى لمنفى ومن باب لباب/فقراء يا قمري نموت/ وقطارنا أبداً يفوت).

كان البياتي قد تعرض لضياع مؤقت لولده في زقاق قاهري أثناء إقامته بمصر. وتلك كانت الخلفية السياقية التي عليَّ أن أمهد بها لتحليل النص. وهذا ما لم أستطع القيام به منذ ذلك العام وحتى انتهاء عملي الأكاديمي. لكن لزيد قدرة التعالي على ألمنا، كان يكبر ويعيد صورة أبيه في وعينا: صوته الذي خشن بالنضج وابتسامته ونحافته وشاربه الخفيف فوق فم يضحك ببراءة. كنت أرقبه بين المائة والخمسين من المتخرجين وأشرد بعيداً حين فوجئت بدعوته للمنصة ليكرّم بكونه (مستر بيلفيو)، إشارة إلى اسم مدرسته والحي الذي نسكنه. واحد كل عام فقط يحوز اللقب. قام زيد ليتسلم شهادته وسط فرحة زملائه وأصدقائه. وكنت أراه يسترد من المجهول جزءاً من يقين بأنه منتصر على أعداء الحياة ومطفئي ضيائها. مستر بيلفيو تعضيد لليد التي تغسل ما علق بأرواحنا من ألم وتمتلك الحياة، وهم هناك في جحور العتمة والموت لائذون بخوفهم وصور جرائمهم وأصوات ضحاياهم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف