• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

يوميات باريسية

تاريخ النشر: الخميس 16 يناير 2014

ما الذي تمنحه باريس لزائرها؟ ذلك البهاء المنبعث من عراقة مبانيها أو من المناخ الثقافي الذي يلون أشياءها كلها: المقاهي والجادات والأنفاق والحدائق والحانات والساحات وضفتي نهرها وكنائسها والزمن اللابد في تماثيلها و أسوار مبانيها؟

لكن المقيم فيها كالكاتب شاكر نوري سيرى في جغرافيتها وبشرها وسيّاحها ومن أقام فيها أو رحل عنها، وفي تنوع معالمها ما لا ترصده عين زائر عابر. وقد تجسد ذلك في كتابه الفائز بجائزة ابن بطوطة (بطاقة إقامة في برج بابل- يوميات باريس). استعار الكاتب وصف برج بابل؛ ليصور تعدد الألسنة فيها واختلاف الهويات والحضارات والمنابت والأذواق. اليوميات التي تقدم مدينة فن وثقافة كباريس لا تمتثل لاشتراطات اليوميات كما تحددها كتب السيرة الذاتية أو المذكرات والرسائل. إنها تمنح كاتبها حرية الوصول إلى موضوعه من أية نقطة يشاء. وهذا بالضبط ما تستحقه مدينة كباريس. الكنيسة فيها تحيل إلى رواية. ومجاريها الضخمة تحت الأرض تستدعي أبطال رواية أخرى. أما مقاهيها الأدبية وفنادقها فلابد أن تستدعي الكلام على التجمعات التي عرفتها المدينة وانطلقت منها إلى العالم كله: الثوريون و السورياليون والوجوديون والدادائيون؛ كتّاب كجويس وهمنغواي وفنانون كبيكاسو ودالي وعلماء كفرويد قدموا إليها فجذبهم سحرها. إنها كما يقول جاك بريفير (ضيقة وهذا سر اتساعها). كل قادم إليها سائحاً أو زائراً ــ أو طالباً كالمؤلف وأسلافه العرب الذين عرفتهم باريس كالطهطاوي وطه حسين والحكيم وسهيل إدريس وعلي جواد الطاهر ــ كتبوا عنها كتابة لا يمكن أن تفي تلك المدينة إيقاعها وحياتها. وذلك ما انشغل شاكر نوري في رصده متنقلا بين متاهات المترو وخطوطه الطويلة المتشعبة ومتاحفها وساحاتها وتسمياتها أيضاً.

لوحة شارع باسم محمود درويش الذي أقام فيها خمسة عشر عاماً، وعليها شطر من شعره (نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا). وباريس أسماء وملصقات على المرء أن يتابع ملاحظاتها المدونة في كل زاوية. وشاكر نوري يأخذ القارئ من أفقر أحيائها: قطرة الذهب حيث يقيم العرب المهاجرون إليها منذ عقود والمقيمون فيها مواطنون تتنازعهم الهويات المتباينة. حتى أكثر بقاعها فخامة وأرستقراطية. لكن اليوميات تتشكل بفضول طالب وعين فنان، وهذا أحد أسرار باريس التي تعطي لكل زائر ما يشبع فضوله ويجيب على أسئلته. ولعل أهم ما في الكتاب هو وصف مقاهي باريس الثقافية بدقة من عاش أجواءها واسترجع تاريخها. اللوفر والكوميدي فرانسيز والبانتيون ومقاه كتبت فيها مؤلفات تاريخية، طاولات جمعت أهم فناني القرن رسامين ومسرحيين وسينمائيين، وكتّابه روائيين وشعراء وصحفيين. وحول المقهى تنتشر متناثرة معالم ثقافية: كمكتبة شكسبير وأروقتها التي يلجأ إليها الطلاب والباحثون . فندق ريتز ومأدبة بروست في صالته الفخمة. جيمس جويس وهمنغواي ويونسكو وعشرات القادمين إليها ليقضوا حياتهم فيها. تلك اليوميات تضعنا حقا في مدينة يقول الكاتب إنها لا يمكن تذوق العيش فيها دون تذوق تاريخها. وهذا ما لا تهبه كثير من المدن في العادة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف